مجالس التفسير والتدبر (2) {وإنا إلى ربنا لـمُنقلبون}

مجالس التفسير والتدبر (2) {وإنا إلى ربنا لـمُنقلبون}

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٨ شوال ١٤٤٧ هـ - ٢٧ آذار ٢٠٢٦
26

مِن بدائع الإمام المفسر ابن كثير رحمه الله قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: 12-14]، قال: "أي: لصائرون إليه بعد مماتنا، وإليه سيرُنا الأكبر، وهذا من باب التنبيه بسير الدنيا على سير الآخرة، كما نبه بالزاد الدنيوي على الزاد الأخروي في قوله: ﴿وتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: 197]، وباللباس الدنيوي على الأخروي في قوله تعالى: ﴿[يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ] وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26]" [تفسير القرآن العظيم (5/566- ط ابن الجوزي)].
لن تخطئ عيناك وأنت تُطوِّف بآي القرآن كثافةَ حضور الآخرة ومركزيتها وأولويتها، وحقارةَ الدنيا وهامشيتَها.
من مقاصد القرآن العظيمة تعليق القلوب بالآخرة، وليس بعد الإيمان بالله وتوحيده أصلٌ أكثر ورودا في القرآن من هذا الأصل العظيم الذي لا تحيا القلوب والأرواح إلا به.
ومن عادة القرآن: التنبيه بالأمور الدنيوية على الاخروية، والعبور من الأمور الحسية إلى الأمور المعنوية، على نحو ما ذكر ابن كثير رحمه الله.
والقرآن مليء زاخر بشواهد هذه التنبيهات، فمن ذلك:
قوله سبحانه -في سياق امتنانه على عباده بتسخير الأنعام وركوبها والسفر عليها-: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: 7-9].
وقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ معناه: وعلى الله بيان الطريق المستقيم الموصل إليه سبحانه، فنبَّه هنا بالسير الدنيوي على السير الأخروي نظيرَ ما حكاه ابن كثير في آية الزخرف. وما أجمل ما قاله ابن عاشور رحمه الله في تفسير الآية: "... فلما ذُكرت نعمةُ تيسير السبيل الموصلة إلى المقاصد الجُثمانية ارتُقِي إلى التذكير بسبيل الوصول إلى المقاصد الرُّوحانية، وهو سبيل الهدى، فكان تعهد الله بهذه السبيل نعمةً أعظم من تيسير المسالك الجُثمانية؛ لأن سبيل الهدى تحصل به السعادة الأبدية" [التحرير والتنوير (14/112)].
ويشبه هذا قولُه سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15]، وهو ظاهر بيِّن لمن تأمله.
ومن الشواهد: قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 14-15].
فنبَّه هنا بالمتاع الدنيوي على المتاع الأخروي.
وليس المقصود في هذه العجالة تتبعَ الشواهد والآيات في كلام الله سبحانه، فطالب الحق وناشد السلامة يتعظ بالقليل اليسير، والجاحد لو تناطحت الجبال بين يديه ما زاده ذلك إلا عُتُوًّا واستكبارا.
ورسالة القرآن في هذه الآيات والـمُثُل: التذكيرُ بالآخرة، وعِمارة القلوب والأرواح بها، وبقاء العيون طامحةً إلى تلك المنازل العتيقة الأولى، ولا والله ما صَلَح قلب واستقامت جارحة إلا بذلك.
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64].
وإن الدار الآخرة لهي الحيوان.. الحياةُ الباقية التي لا موتَ فيها ولا فناء ولا انقطاع.
إن ما نحن فيه لهو ولعب ومتاع، وخيالات وأحلام وأوهام، والحقائق عند الله.

أحلام نوم أو كظل خادع ** إن اللبيب بمثلها لا يُخدع


قال ربنا العظيم: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ * أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص: 60-61].
وقال: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى: 36].
وقال: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد: 26].
إنها متاع يزول ويفنى، وهل يبيع العاقل باقيا بفان؟

تالله ما عقَل امرُؤٌ قد باع ما ** يبقى بما هو مُضمحِل فان


بقلم: بسام بن خليل الصفدي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...