مجالس التفسير والتدبر (19) {ناشِئةُ اللَّيل}

مجالس التفسير والتدبر (19) {ناشِئةُ اللَّيل}

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ١٧ صفر ١٤٤٨ هـ - ٣١ تموز ٢٠٢٦
14

من أوائل ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم في مكة: سورة المزمل، وفي صدرها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: 1-8].
لا زالت الدعوة غَضَّة طريَّة في أول أيامها، وقريشٌ بعدُ لم تَسْتَفِق مما دهاها ونزل بها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عليه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
إنها المواجهة والمفاصلة الحتمية بين الحق والباطل، والشرك والتوحيد، المواجهة التي لا يثبت فيها إلا الأشداء الأقوياء، وأين يُصنع هؤلاء إلا في خَلَوات الليل، ومحاريب التهجُّد؟!
نعم، لقد فرض الله القيام على نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم في أول الدعوة ليترشَّحوا لحمل هذه الرسالة العظيمة الخالدة، فأمامَهم محطات من المحن والشدائد والمجاهدة والمغالبة.
﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾: إنه ثِقَل تكاليفه وأحكامه وما تضمنه من الدعوة والنِّذارة والبلاغ، "وإن قيام الليل والناس نيام، والانقطاعَ عن غبش الحياة اليومية وسَفْسافها، والاتصال بالله، وتلقي فيضه ونوره، والأنس بالوَحدة معه والخَلوة إليه، وترتيل القرآن والكون ساكن وكأنما هو يتنزل من الملأ الأعلى وتتجاوب به أرجاء الوجود في لحظة الترتيل بلا لفظ بشري ولا عبارة، واستقبال إشعاعاته وإيحاءاته وإيقاعاته في الليل الساجي= إن هذا كلُّه هو الزاد لاحتمال القول الثقيل، والعبء الباهظ، والجهد المرير الذي ينتظر الرسول وينتظر من يدعو بهذه الدعوة في كل جيل، وينير القلب في الطريق الشاق الطويل، ويعصمه من وسوسة الشيطان، ومن التيه في الظلمات الحافة بهذا الطريق المنير" [في ظلال القرآن (6/3745)].
عرف النبي صلى الله عليه وسلم طريقه بعد نزول هذه الآيات، فقام وأطال القيام حتى لقي ربه راضيا مرضيا، لم يعرف الراحة بأبي هو وأمي، ولم يَطِب له قعود ولا منام.
القيام عبادة صفوة الخَلق، وبقايا ورثة الأنبياء، ولهذا استُفتحت به صفات عباد الرحمن وأهل الإحسان، فقال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 16-17].
وقال جل وعلا: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: 63-64].
ومن عجيب الموافقات أن يكون من أوائل ما أُمر به النبي صلى الله عليه وسلم في مكة: قيام الليل، ومن أوائل ما أَمر وأوصى به عند مقدَمه المدينة: قيام الليل.
استمع إلى عبد الله بن سلَام رضي الله عنه وهو يحدث عن مقدَم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، قال: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ: أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ) [أخرجه الترمذي، وابن ماجه واللفظ له. وإسناده صحيح].
لا غنى للدعاة والمصلحين عن محاريب الليل، وقد قرأت قديما -وغاب عني المصدر الآن- للشيخ العلَّامة المصلح المربي أبي الحسن النَّدْوي يذكر عن نفسه أنه لا يعلم عالما أو داعية أو مصلحا كان له أثرٌ في هذه الأمة إلا وهو من أصحاب القيام. وكلمة الإمام أحمد معروفة في هذا الباب.
وإنما عظُم شأن صلاة الليل لأنها وقت التنزُّل الإلهي، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟).
وكذلك فإن الليل تنقطع فيه الشواغل، وتسكن فيه النفوس، ولهذا قال ربنا سبحانه: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾، أي: ما يُنشئُه العبد من الصلاة في الليل هو أشد مواطأة وموافقة بين القلب واللسان؛ وذلك لما في الليل من الظُّلمة والسكون والهدوء المعين على حضور القلب وخشوع الجوارح.
وشهرنا هذا الذي نحن فيه شهر عبادة وقيام، فقد كان صلى الله عليه وسلم يخصه بمزيد اجتهاد، سيما العشر الأواخر منه، حتى إن عائشة رضي الله عنها تقول: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ" [أخرجه الشيخان].
وتقول رضي الله عنها: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ" [أخرجه مسلم].
لقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في هذه الليالي وطوَّل بهم حتى خشي الناس أن يفوتهم السحور، ثم ترك القيام خشية أن يفرض عليهم، ثم مضى الناس على ذلك في عهد أبي بكر وصدرا من خلافة عمر رضي الله عنهما، ثم لما استقام الأمر في عهد عمر جمع الناس على أُبي بن كعب وتميم الداري رضي الله عنهما، فصليا بالناس إحدى عشرة ركعة، أو إحدى وعشرين ركعة [كما صحت في ذلك الروايات، وهو محمول على تعدد الأحوال، كما ذهب إليه جماعة من المحققين] فكان القارئ يقرأ بالـمِئِين، حتى يعتمد الناس على العِصي من طول القيام.
هذه حاله صلى الله عليه وسلم وحال أصحابه من بعده في الجد والاجتهاد في هذه الليالي العظيمة، فجِدوا واجتهدوا، وأروا الله من أنفسكم خيرا، فإنما هي أيام قلائل، وإنما نحن في دار سباق وسفر إلى الآخرة، والموفق من أخذ له في هذا السباق موضعا، وتزود من دنياه لآخرته، ومن معاشه لمعاده، وحدثوا أنفسكم بما أعده الله للقائمين من الرضوان والنعيم المقيم.
قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 15-17].
اللهم تقبل منا الصيام والقيام، واجعلنا من عتقائك من النار.

بسام بن خليل الصفدي
الأربعاء 22 رمضان 1447

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...