علم المناسبات علم بديع يفتح للتالي أبوابا من التدبر والنظر، ومن لطيفه: ما وقع في سورة البقرة من ذكر أربع آيات متفرقة تبدو لأول وهلة مُقحَمة في سياقاتها، وهي في غاية المناسبة، وإليكها حسَب ترتيب ورودها:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186].
وهذه الآية توسَّطت آيات الصيام، فسِبَاقها ولِحَاقها في الحديث عن رمضان والصيام وأحكامهما، وسنفرُغ للآيات الثلاث الآتية ثم نعود إلى هذه الآية، فهي المقصودة بالحديث في مجلسنا هذا.
والثانية: قوله سبحانه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238].
وهذه الآية توسطت آيات الطلاق، ومناسبتها في هذا السياق: بيان أن المرء لا ينبغي أن يَشغله عن صلاته وعبادة ربه شيء مهما عظُم، وكذلك فإن البيوت إنما تصلح ويستقيم أمرها وتملؤها المحبة والسكينة بالعبادة وفي مقدمة ذلك الصلاة.
والثالثة: قوله :عز وجل ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 269].
وهذه الآية توسطت آيات الإنفاق، ومناسبتها: أن بعض الناس ربما اتهم من ينفق ماله في سبيل الله بالسَّفه وعدم التعقل، ونصحه بالإمساك والادخار، فالنفوس مجبولة على حب المال، فبينت الآية أن الإنفاق لا ينافي الحكمة، بل هو من مقتضياتها وموجَباتها لا كما يظن الجاهلون.
والرابعة: قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].
وهذه الآية توسطت آيات المعاملات المالية، ومناسبتها: أن هذه المعاملات تضعف فيها النفوس، وترقُّ الديانة والخشية، ويغلب فيها الجشع وحب المال، والنفوس مجبولة على ذلك كما قدَّمنا، فجاءت الآية تذكر الناس بالرُّجْعى، وتأمرهم بالتقوى، وهذا كما ترى في غاية المناسبة، والله أعلى وأعلم.
وعَودًا إلى الآية الأولى التي أخرنا الحديث عنها، فإن الحكمة في توسُّطها آيات الصيام ظاهرة، وهي الإعلام بالصلة الوثيقة بين الصيام والدعاء، وبيان أن الدعاء من أصول العبادات التي ينبغي أن يُوليها العبد في شهر الصيام وأيامه ولياليه عناية عظيمة؛ وذلك أنه يجتمع فيه شرف الزمان والإقبالُ على الله بالعبادة والطاعة، فوقته أحرى في الإجابة من غيره.
وهذه الآية من أعظم الآيات الحاثة على الدعاء المرغبَّةِ فيه، وبيانُ ذلك: أن الله فتح باب الدعاء لجميع عباده فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي﴾، ولم يخصَّ أحدا منهم دون غيره، ثم بيَّن قربَه منهم، وسرعة استجابته لهم إذا هم أقبلوا عليه بصدق، ودعَوه بتضرُّع، فــ "حَذف في اللفظ ما يدل على وساطة النبيء [لغة في النبي] صلى الله عليه وسلم تنبيها على شدة قرب العبد من ربه في مقام الدعاء" [التحرير والتنوير (2/ 179)].
وفي الآية كذلك "إيماء إلى أن الصائم مرجوُّ الإجابة، وإلى أن شهر رمضان مرجوَّةٌ دعواتُه، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من رمضان" [التحرير والتنوير (2/179). وانظر: تفسير ابن كثير (2/193)].
وقد جاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم ما يرغِّب الصائمين في الدعاء حال صيامهم، سيما عند فطرهم، ومن ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ...) الحديث [أخرجه الترمذي، وابن ماجه بإسناد فيه كلام، والغالب ضعف الحديث. والجزء المتعلق باستجابة دعوة الصائم له شواهد].
ولفظ الحديث دال على أن وقت الصيام كلَّه محَل لإجابة الدعاء، وأحراه ما كان عند الإفطار؛ لما يعتري الصائم من الضعف والمسكنة والإقبال على الله تعالى في خاتمة يوم صومه.
وأخرج أحمد من حديث أبي سعيد الخدري أو أبي هريرة رضي الله عنهما (والشك في الصحابي لا يضر؛ لأنهم جميعا عدول) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ لِلَّهِ عُتَقَاءَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ) [إسناده صحيح، وفي الباب عن جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم].
فتحصل منه ومن الحديث الذي قبله أن ليل الصائم ونهاره مظنة الإجابة، والعاقل الموفَّق لا يضيِّع هذه المغانم بالكسل والبطالة، بل يجد ويجتهد في مرضاة ربه واستغراق وقته في أنواع العبادات رجاء الفوز بمغفرته ورضوانه سبحانه، بلَّغنا الله ذلك وإياكم بمنه وكرمه، اللهم آمين.
بسام بن خليل الصفدي
السبت 18 رمضان 1447
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


