في سورة البقرة إرساءٌ لقواعد النظام الاقتصادي الاجتماعي، وتقويض لأنظمة وقوانين الجاهلية التي كانت تَحكم العرب قبل البَعثة المحمدية المباركة.
ومن ذلك ما قررته السورة من مسائل الزكاة والصدقة، ففيها حثٌّ عجيب على البذل والإنفاق، وبيان جملة من الآداب والأحكام المتصلة بذلك.
وفي سياق الدعوة إلى الإنفاق جاء قوله سبحانه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 273].
والمقصود هنا: ذكرُ مصرِف من أهم المصارف التي ينبغي أن تُجعل فيها الصدقات، وأصحابه المذكورون في هذه الآية هم المهاجرون الذين انقطعوا إلى الله ورسوله، وحبسوا أنفسهم على الجهاد في سبيل الله، وليس لهم في المدينة مساكنُ ولا عشائرُ يأوُون إليها، ولا أسبابٌ يتسبَّبون بها إلى طلب المعاش، ولا يستطيعون السفر لضعفهم وعجزهم، يحسَبهم الجاهل -بحالهم- أغنياءَ؛ لشرف نفوسهم، وصيانتهم، وعِفَّتهم في لباسهم وحالهم ومقالهم.
والآية ليست حصرًا عليهم، بل يدخل فيها غيرهم ممن اتصف بصفاتهم، وحَبَس نفسه على الجهاد أو الدعوة ونصرة الدين.
لقد وصف الله تلك النفوس الأبيَّة الطاهرة بأوصاف عظيمة ما أحْرانا بتأملها والاتعاظ بها، وهاكها مفصَّلةً بعد الإجمال:
- ﴿أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: حبسوا أنفسهم على الجهاد في سبيل الله، ومنعوها من التصرُّف في أشغال الدنيا.
- ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾: لا يستطيعون السفر والتقلُّب في البلاد للتجارة والكسب وطلب المعاش؛ لحَبْس نفوسهم على الجهاد ونصرة الدين.
- ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾: يظنهم الجاهلُ بحالهم أغنياءَ لشدة صبرهم وتجمُّلهم وتركهم السؤالَ.
- ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُم﴾: يعرفهم المطَّلع عليهم بعلاماتهم وأثرِ الفقر الظاهر على حالهم وأجسامهم وثيابهم.
- ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾: والإلحاف: الإلحاح في السؤال، وهم لا يقع منهم سؤال حتى يقع الإلحاح، وإن ألجأت الضرورةُ والفاقةُ الشديدة أحدَهم إلى السؤال فإنه يسأل متعففا من غير إلحاح.
لله ما أعظم تلك النفوس، وما أعظم إيمانها وبذلها وصبرها وتجمُّلها وتعفُّفَها.
هؤلاء أولى مَن تُبذل لهم الصدقات، ويُكْفَوا همَّ الرزق والمعاش؛ فإنهم بذلوا أنفسهم وأوقاتهم وحبسوها على نصرة دين الله، علما وجهادا ودعوة واحتسابا، فينبغي لأهل السَّعة واليسار من هذه الأمة أن يُغنوهم ويتعاهدوهم، ففي ذلك إعزاز لدين الإسلام، ووفاءٌ لأهله وحملته، وينبغي كذلك أن يُتعاهد أهلوهم ويُخلَفوا بخير.
وعلى هذه المعاني ربَّى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فكانوا مع فقرهم أعزَّ الناس نفوسا، وأبعدهم عما يَخْدِش شرفَها ومُروءتها.
أخرج الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: (مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ).
وكان صلى الله عليه وسلم يأخذ البيعة منهم على ترك سؤال الناس، كما جاء عند مسلم من حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ: (أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟)... [ثلاثا]، قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: (عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطِيعُوا -وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً-، وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا)، فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ.
وبغَّض صلى الله عليه وسلم المسألة وبشَّعها ونفَّر منها أشدَّ التنفير حتى قال: (مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ) [أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما].
وحثَّ بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم على العمل والكسب فقال: (لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ) [ أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].
وبعض الناس قد امتهن التسول والسؤال، يطوف على الناس يسألُهم أموالهم مع قوته وقدرته على العمل والكسب، ومن غير ضرورة تدعوه إلى ذلك، وهذا حرام لا يجوز، والمال الذي يصيبه من السؤال يأكله سحتا.
ومن فتح على نفسه باب السؤال فتح الله عليه أبواب الذل والفقر، فإن المال فتنة عظيمة، لا يشبع منه ابن آدم حتى يدخل القبر.
جاء في حديث حكيم بن حزام قال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: (يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى) [أخرجه الشيخان].
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك يا كريم.
اللهم كما صُنت وجوهنا عن السجود لغيرك فصُنها عن المسألة لغيرك.
بسام بن خليل الصفدي
الخميس 16 رمضان 1447
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


