من الوصايا والمواعظ القرآنية العظيمة التي يجدُر بالمرء تأملُها والنظر فيها: وصية لقمان لولده. ولقمان رجل صالح آتاه الله العلم والحكمة، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان: 12].
- بدأ عليه السلام وصيته لولده بتوحيد الله عز وجل، والتحذير من الشرك فقال -فيما حكى الله عنه-: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13].
وسبب البَداءة بالتوحيد ونفي الشرك أنه أول وأعظم ما يجب على العبد، فإن صحَّ استقام له سائر عمله، وإن فسد فسد معه سائر العمل. فالشرك محبطٌ للأعمال، موجب للخلود في النار واستحلالِ الدم والمال.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 88].
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 116].
- ثم جاءت الوصية بعد ذلك بالوالدين، وتولى الله ذلك بنفسه فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: 14-15]، ولم يَكِلْ ذلك إلى لقمان لأمرين:
الأول: التنبيه على عِظم حق الوالدين.
والثاني: حتى لا يظنَّ الولد أن والده إنما يدعوه لحظِّ نفسه.
ومجيء الوصية بالوالدين بعد الوصية بتوحيد الله عز وجل إشارةٌ إلى اقتران هذين الحقين العظيمين وارتباط أحدهما بالآخر، وهذا كثير في كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
- ثم قال عليه السلام لولده: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 16]، أي: مهما كانت الحسنة أو السيئة صغيرة أو خفية فإن الله مطلع عليها، ويأتي بها يوم القيامة، ويجازي صاحبها، فإنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزُب عنه مثقالُ ذرة.
قال سبحانه: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49].
وقال جل شأنه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47].
وهذه تربية على خشية الله وتعظيمه ومراقبته، والأولاد -ونحن معهم- أحوج ما يكونون إلى ذلك، سيما في هذا الوقت الذي فُتحت فيه أبواب الفتن، وتيسرت سبل المعصية، وضعُفت خشية الله في القلوب.
- ويتابع عليه السلام الموعظة قائلا: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: 17].
فأوصاه بإقامة الصلاة بعد وصيته بتوحيد الله ومراقبته؛ وذلك أن الصلاة أعظم شرائع الإسلام وآكدُها بعد التوحيد، فهي ركن الإسلام وعمود الدين، ولا حظ في الإسلام لمن ضيعها. وإقامتها: أداؤها بحدودها وفروضها وواجباتها على ما فُرضت عليه، وإيقاعُها على ما يحب ربنا ويرضى من الحُسن والكمال والتمام.
ثم أوصاه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو من أخص أوصاف أهل الإيمان، وهو شعيرة من شعائر الإسلام العظام، وأصل من أصوله الكبار، انعقدت به خيرية هذه الأمة المباركة، قال جل وعلا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 110]، والوصية بهذا الأصل العظيم بعد الإيمان والعمل الصالح في غاية المناسبة؛ فإن العبد إنما يُصلح نفسه ويكمِّلها بالإيمان والعمل، ولا يكفيه هذا في النجاة يوم القيامة، بل لا بد أن يسعى في إصلاح غيره، وذلك إنما يحصل بدعوتهم وأمرهم ونهيهم. ومن تصدى لدعوة الناس قل أن يسلم وينجو من أذاهم؛ ولذلك فهو مأمور بالصبر واحتساب ما يصيبه في ذات الله، ومن هنا أوصى لقمان ولده بالصبر على ما يصيبه في هذا السبيل، فما أعلمه وأحكمه، وأجل وصيته وموعظته.
- ثم ختم عليه السلام وصيته لولده بمحاسن الأخلاق وجميل الآداب، فقال: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 18-19].
فأوصاه بالتواضع والسكينة والوقار وخفض الصوت تنبيها على ما وراءها من الأخلاق والآداب، وأقبِح بالمرء أن يكون عَرِيًّا متجردا عن هذه الخصال.
وإن أعظم ما يغرسه الوالد في ولده -بعد ما تقدم- خلق فاضل، وأدب حسن، وهل يصلح عيشهم، وتستقيم حالهم بغير ذلك؟!
قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6].
قال عليٌّ رضي الله عنه: "علموهم وأدبوهم" [أخرجه ابن جرير في "جامع البيان"].
وقال ابن عمر رضي الله عنهما: "أدب ابنك، فإنك مسئول عن ولدك، ماذا أدبته؟ وماذا علمته؟ وإنه مسؤول عن برِّك وطواعيِته لك" [أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان"].
اللهم أصلح أولادنا وأولاد المسلمين، وألْهِمهم رشدهم وسددهم وأعنهم ووفقهم لكل خير يا رب العالمين.
بقلم: بسام بن خليل الصفدي
الاثنين 13 رمضان 1447
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


