من العبادات العظيمة التي أمر الله تعالى بها عباده، ورغبهم فيها، وحثهم عليها = الدعاء.
الافتقار إلى المولى الجليل سبحانه، والانطراح على بابه، وبراءة العبد من حوله وقوته إلى حول الله تعالى وقوته. رُوح الدين، ولُبُّ العبادة، وأنفع القُرْبة، وحادي الروح، وحياة القلب. وهل تحيا القلوب والأرواح بغير الدعاء والتعلق والاستعانة بالله جل وعلا.
والدعاء له آداب وأحكام ينبغي أن يحرص عليها الداعي، ومن أجمع آيات القرآن لهذه الآداب آيتا الأعراف: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 55-56].
والآيتان تتضمنان دعاء المسألة ودعاء العبادة، وإن كانتا أظهر وألصق بدعاء المسألة، ويدخل فيهما دعاء العبادة ضِمنا، على ما أشار إليه شيخ الإسلام في رسالة مفردة له على الآيتين في "الفتاوى" (15/10-28).
وهذا بيان جُملة مما اشتملت عليه الآية من المسائل والآداب:
- أما قوله سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ فمعناه: ادعوه متضرعين إليه متذللين مستكينين خاضعين منكسرين. والضراعة روح الدعاء لا تقوم ساقه إلا عليها، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في آية الذكر.
- وقوله: ﴿وَخُفْيَةً﴾: أي سرًّا وخَفاءً من غير جهر وإعلان.
والإسرار في الدعاء وعدم رفع الصوت به هو هدي نبينا والأنبياء من قبله عليهم الصلاة والسلام، وهدي سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم رضي الله عنهم.
جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزَاةٍ، فَجَعَلْنَا لاَ نَصْعَدُ شَرَفًا، وَلاَ نَعْلُو شَرَفًا، وَلاَ نَهْبِطُ فِي وَادٍ إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنَا مِنَّا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا).
وأخرج ابن المبارك في "الزُّهد" عن المبارك بن فَضالة عن الحسن البصري قال: "... وَلَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ فِي الدُّعَاءِ وَمَا يُسْمَعُ لَهُمْ صَوْتٌ، إِنْ كَانَ إِلَّا هَمْسًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ عز وجل؛ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تعالى يَقُولُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55]، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ عَبْدًا صَالِحًا وَرَضِيَ قَوْلَهُ، فَقَالَ: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: 3]".
ولشيخ الإسلام -في رسالته الـمُشار إليها آنفا- كلام بديع جدا في فوائد إخفاء الدعاء، ومما ذكره: أن إخفاء الدعاء أعظم إيمانا، وأبلغ في الأدب والتعظيم، وأبلغ في التضرع والخشوع، وأبلغ في الإخلاص، وأبلغ في جَمْعية القلب على الذِّلة، وأنه دالٌّ على قرب صاحبه، وأدعى إلى دوام الطلب والسؤال، وأبعد عن القواطع والمشوِّشات... في تفصيل وبيان حسنٍ انظره إن شئت، ونقل الرسالة عنه بتمامها ابنُ القيم في "بدائع الفوائد" (3/835-862 ط عالم الفوائد) مع زيادات يسيرة.
وذكرنا في المجلس السابق سبب اقتران الذكر بالخوف، وهنا بيان سبب اقتران الدعاء بالخُفية، وكلاهما من المنقول عن شيخ الإسلام رحمه الله.
- وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فيه تحذير من الاعتداء عموما، وهو تجاوز حدود الله سبحانه، وتجاوز ما ينبغي إلى ما لا ينبغي. وهذا وإن ورد في سياق الدعاء غيرَ أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرَّرٌ في القواعد الأصول.
وذكرُه في سياق الدعاء مُشْعرٌ بأن له خصوصيةً، وأن الاعتداء فيه شديد لا يحبه الله تعالى ولا يرضاه، ولذلك جاءت الآثار عن السلف -في تفسير هذا الموضع من كتاب الله- بالتحذير من الاعتداء في الدعاء.
وأخرج أبو داود وغيره من حديث عبد الله بن مغفَّل رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنَّه سَيَكُونُ في هَذِه الأُمَّةِ قَومٌ يَعتَدُونَ في الطُّهُورِ والدُّعَاءِ).
والاعتداء في الدعاء صوره كثيرة متفاوتة مذكورة في مظانِّها، وأعظمه: دعاء غير الله سبحانه، وضابطه: كل مجاوزة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته فيه.
ومن صور الاعتداء المنتشرة بين الأئمة: التطويل في الدعاء والمشقة على الناس في ذلك.
ومنه: اختراع أدعية مسجوعة متكلَّفة، وهجرُ الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، وفيه الكفاية والغَناء لمن نصح لنفسه وللناس.
ومنه: رفع الصوت وتكلف الخشوع والبكاء، حتى آل الحال بكثير من الأئمة أنهم لا يخشعون أو يتكلفون الخشوع إلا في الدعاء، ويمرون على الآيات مرور الكرام.
- وقوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ أي لا تفسدوها بالمعاصي بعد أن أصلحها الله بإرسال الرسل وبيان الشرائع، وأعظم الإفساد: الإشراك به سبحانه، ومنه دعوة غيره والتعلق به وصرف شيء من العبادة له من دون الله سبحانه.
- وقوله: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أي خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه سبحانه.
وهذا أدب عظيم من أعظم آداب الدعاء، أن يدعو الداعي مُشهدا قلبَه هذا المقام الشريف، وهو مقام الأنبياء عليهم السلام الذين قص الله علينا خبرهم في خاتمة السورة الـمُسمَّاة بهم فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90]، وخَتْمُ أخبار الأنبياء وأحوالهم بذلك مشعرٌ بأن هذه المنزلة غايةُ ما يسعى إليه العابدون، ونهايةُ ما يشمر إليه المشمرون.
وقوله في خاتمة الآية: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فيه ترغيب لأهل الإيمان ببلوغ هذه الرتبة العلية، وإيماءٌ إلى أن المتحقِّق بالمذكور من الآداب المتقدمة في دعاء ربه حريٌّ به أن يبلغها، جعلنا الله وإياكم منهم بمنه وكرمه، اللهم آمين.
بقلم: بسام بن خليل الصفدي
الأحد 12 رمضان 1447
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


