مثل من حلم النبي صلى الله عليه وسلم

مثل من حلم النبي صلى الله عليه وسلم

التصنيف: ركن الشباب
الأحد، ٢٨ محرم ١٤٣٥ هـ - ١ كانون الأول ٢٠١٣
1605

 

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه  قال : (لما كان يوم حنين آثر النبي صلى الله عليه وسلم أناساً في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عُيينةَ مثل ذلك، وأعطى أناساً من أشراف العرب فآثرهم يومئذٍ في القسمة . فقال رجل : والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد به وجههُ الله ! فقلت : والله لأخبرن النبي صلى الله عليه وسلم ! فأتيته فأخبرته؛ فقال : " فمن يعدلُ إذا لم يعدل الله ورسوله ؟ رحم الله موسى ! قد أوذيَ بأكثر من هذا فصبر! ) . رواه الشيخان .

حنين : اسم واد قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً من جهة عرفات، نسبت إليه هذه الغزاة المشهورة، التي قصد إليها النبي صلى الله عليه وسلم  عقب فتح مكة في بضعة عشر ألفاً، والتي تعد بحق مجمع عبر وأمثال وحكم وأحكام، وعظات إلهية بالغة، ودروس نبوية حكيمة، إلى ما ابتلى به النبي صلى الله عليه وسلم  من جفاء الأعراب وغلظتهم، وإيذاء المنافقين وعنتهم، مما يعدُّ الصبر على مثله عَلماً من أعلام النبوة .

والأقرع بن حابس : أحد الأشراف في الجاهلية والإسلام، واسمه فراس، وإنما لقب الأقرع لقرع كان برأسه، وهو من المؤلفة قلوبهم، وقد حسن إسلامه .

وعيينة بن حصن : كان سيد قومه على حمق فيه، ولذا لقبه النبي صلى الله عليه وسلم  بالأحمق المطاع؛ أسلم قبل الفتح، ثم ارتد في عهد أبي بكر رضي الله عنه، ثم عاد إلى الإسلام (1) ، وكان من المؤلفة قلوبهم كذلك .

قال رجل : هو معتب بن قشير من بني عمر بن عوف، وفي إحدى روايات البخاري أنه من الأنصار، وهذا في ظاهر الأمر، وإلا فهو من المنافقين بلا ريب، إذ لا يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كافر أو منافق .

من أجل ذكرى الميلاد النبوي الكريم، ضربنا هذه القصة مثلاً لحلم النبي صلى الله عليه وسلم  واحتماله، وصبره على الأذى، وكظمه للغيظ، وتسليه بإخوانه النبيين، مصدقاً لقوله تعالى : أولئك الذين [أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ] {الأنعام:90}.

لقد كانت غزوة حنين من أعظم الغزوات شأناً في الإسلام، وأكثرها خيراً وبركةً على المسلمين، على الرغم مما أوذوا فيها إيذاء بليغاً؛ ولقد بلغت غنائمهم من العظم ما لم يحلم به غاز من قبل، ومن أجل ذلك اشرأبت الأعناق إليها، وارتفعت الأبصار نحوها، وتعلقت الأعراب برسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه حتى اضطروه إلى سَمُرة خطفت ردائي فلو كان لي عدد هذه العضاه نَعماً لقسمته بينكم (2)  ثم لا تجدونني بخيلاً ولا كذاباً ولا جباناً .

قسم النبي صلى الله عليه وسلم  هذه الغنائم حيث أراه الله عز وجل، فأعطى قوماً، ومنع آخرين، وماز أشراف العرب ورؤساءهم في العطية، فأعطاهم مائة مائة من الإبل، تأليفاً لقلوبهم، وتثبيتاً لإيمانهم، ورغبة في إسلام أشياعهم؛ ومن هؤلاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينه بن حصن الفزاري؛ ومنهم حكيم بن حزام الذي أسلفنا قصته في الجزء الماضي مثلاً عالياً في تربيته صلى الله عليه وسلم لأصحابه .

وكان من حكمته صلوات الله وسلامه عليه، وقد عصمه الله من الميل والهوى، أن يبين وجه العدل في هذه القسمة، خشية أن تزل قدم بعد ثبوتها، أو تزيغ قلوب بعد اطمئنانها، فيقول: إني لأعطي الرجل وأدع الرجل، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي، ولكني إنما أعطي أقواماً لم أرى في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب . قال عمرو : فو الله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم  حُمْر النِّعم !

ويبغله أن الأنصار عَتَبوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، وهم حَمَلة الدعوة إلى الإسلام، وأولو الفضل في المناصرة والجهاد، فيجمعهم في قبة وحدهم، ثم يخطبهم فيقول : يا معشر الأنصار، ما حديث بلغني عنكم ؟ قال فقهائهم : أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئاً، وأما أناس منا حديثة أسنانهم فقالوا : يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ! يعطي قريشاً ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم ! فيقول صلوات الله عليه وسلامه : إن قريشاً حديثو عهد بجاهلية ومصيبة، و إني أردت أن أجبرهم وأتألفهم، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيوتكم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله . قال لو سلك الناس وادياً وسلك الأنصار شعباً لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم (3)  . ثم قال : اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار ! فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا : رضينا برسول الله قسماً وحظاً .

لم تعجب هذه القسمة الحكيمة من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، ممن اندس في الأنصار ولبس لباسهم؛ ولم يتمالك أحدهم غيظاً وحنقاً أن قال تلك الكلمة الفاجرة التي ازداد بها كفراً على كفره، قالها على مسمع من خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفيقه في حله وترحاله : عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .

رأى أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم  حقاً عليه مفروضاً أن يبلغه ما سمع، ليأخذ حذره ممن يظهر الإسلام ويبطن الكفر ولا يألوا المسلمين خبالاً ! وحق ما رأى عبد الله رضي الله عنه، فإن طعنا في رسول الله ليس كطعن في غيرهم، ومن مسهم بسوء فقد حل دمه، فإن عفوا عنه فلحكم بالغة لا يتسع المقام لبسطها .

وقد استنبط العلماء من نقل عبد الله وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم  إياه، أن إبلاغ الحديث على وجهه الإصلاح جائز لكن على شريطة صدق النية وتمييز المصلحة من المفسدة، أما من التبس عليه الأمر أو علقت به شائبة الهوى، فطريق السلامة أن يمسك خشية أن يزل . ومن لنا بمبلغ كعبد الله علماً وفهماً، أو مبلغ كرسول الله أناة وحلماً ؟! 

ولقد كان يسير على ابن مسعود أن ينكر على هذا المنافق، أو يجهر بأمره تنكيلاً به، ولكن أبت له كياسته وأمانته ثم مخافته للفتنة إلا أن يسر حديثه على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد شق عليه الأمر وتغير وجهه كأنه الصِرف (4) ، إلا أن ترجم على أخيه موسى علية السلام، وتأسى بما آذاه قومه به، مما لا يصبر على مثله إلا أولو العزم من الرسل .

يالها من إساءة بالغة، تهيج غيظ الحليم، وتذهب بلب الكريم، ولكنها لا تخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاشاه، عن وقاره ومهابته، ورشده وحكمته . لا جرم أنه غضب وتغير، فليس من شرط الحليم ألا يغضب ولا يتغير، بل ربما كان الحليم ألا يغضب ولا يتغير، بل ربما كان الحليم أشد الناس غضباً إذا استغضب، ولكن من شرطه أن يملك نفسه عند الغضب؛ ولقد كان صلى الله عليه وسلم أملك الناس لنفسه، بل ما كان غضبه قط إلا لله والحق، وما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله، فينتقم لله بها .

وبعد؛ فهذا مثل يصور لنا جانباً يسيراً من سيرة خاتم النبيين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ فإذا احتفل المسلمون بعيد مولده فليذكروا سيرته الطاهرة، وليدرسوا خلقه العظيم؛ ثم ليدعوا جانباً هذه المظاهر الساخرة، والصور الهازلة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يحب معاليَ الأمور وجِدها، ويكره دنيها وسفسافها ؟

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

المصدر : مجلة الأزهر، المجلد الثامن عشر، العدد الثالث 1366.

ــــــــــــــ

(1)   في الأم للشافعي أن عمر رضي الله عنه قتل عيينة على الردة، فان ثبت ذلك فلا يعد من الصحاب، لقب عيينة لأن شجة أصابته فجحظت عيناه . ويقال كان اسمه حذيفة . هذا، وفي القاموس جحظت عينه كمنع : خرجت مقلتها أو عظمت .

(2)   السمرة واحدة السمر، والعضة " كشفة " واحدة العضاة ، وكلاهما من أشجار البوادي الشائكة، والنعم : الإبل ، وأعزها عندهم الحمراء .

(3)   الشعب بالكسر الطريق إلى الجبل .

(4)   الصرف بكسر الصاد : صبغ أحمر يصبغ به الجلد، وقد يسمى الدم صرفاً والعبارة مقتبسة من رواية مسلم .

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...