والإسلام في تشريعه الاقتصادي وغير الاقتصادي لا يفرض القوانين بالقوة، ولا يمهد لها في نفوس الناس باللين الذي يؤلفنافرها، ويروّض إباءها على الانقياد والطاعة، لأنه ليس في حاجة إلى شيء من ذلك، فإنما يحتاج إلى قسوة الشدة أو حكمة اللين من يخترع القوانين اختراعاً، ويبتدع التكاليف على وفق ما يسنح لله من خواطر أو يؤديه إليه الاجتهاد.
أما الإسلام، فلا يبتدع ولا يخترع، فإنه فطرة الله في الناس، ونواميسه في الكون، وحقائقه السافرة التي تزاحم البدهيات إلى معايير العقل الأولية.. وكل ذلك أمور واقعة، هيئ الإنسان على أن يحيا بينها، وأمد بملكات فهمها والتجاوب معها…وما على الإنسان إلا أن يدرك نفسه، ويبصر ما حوله بعين فكره، كما يبصره بعينه العادية ..فإذا أبصر ووعى، استطاع أن يلائم بين نفسه وبين ما يرى، وأن ينظم علاقته وسلوكه بين بني جنسه، على مقتضي ما يهديه إليه ذلك الاستبصار، فإن الحقائق الكبرى إذا استعلنت في الضمير، قام لها سلطان على النفس يوجهها حيث أراد، وتتوجه هي به مختارة مغتبطة، لأنها إنما تتوجه على محض فطرتها والناموس الذي ينتظم أشتات وجودها وتبلغ به ما قدر من اكتمال.. ومثل تلك الحقائق العليا في استعلانها للضمير، كمثل قوانين الطبيعة في إستعلانها للفكر، فاستعلان قانون الأجسام الطافية -مثلا- للمهندس الذي «يصمم» السفن، يلزمه قطعاً أن يجعله أساساً لقواعد تصميمه، ولا يجعل له خياراً في مخالفته البتة..والمهندس حين يمتثل ذلك الإلزام، لا يلتزمه راغماً أو ضجراً، إنما يمتثله قريراً راضياً، ولا يسيغ أن يتحول عنه بأي حال، لأنه قانون قطعي الثبوت اتَّخذ مكانه الطبيعي من ذهنه..وما مهمة الرسل إلا إرشاد الناس إلى ما خفي عنهم من تلك الحقائق، وتنبيه بصائرهم إلى ما لا يدرك بالأبصار، فإذا تنبه الوعي الباطن على مثل تنبه الحواس الظاهرة إلى ما حولها، انقشع الغيم، وتبددت الجهالة، وصار سلوك الحق هو الضرورة التي يوجبها أسفار الحقائق، على مثال ما يلتزمه أحدنا إذا رأى أمامه طريقين: أحدهما واضح الاستقامة، والآخر كثير الحفر والعثرات.
ذلك شأن الإسلام في تشريعه، فهو بصائر كاشفة، ونواميس قائمة ثابتة، وليس إكراها تعطل به الإرادة، ولا ابتداعاً يقحم به على النفس ما ليس منها، وقد سمّاه الله بصائر، فقال سبحانه:[قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ] {الأنعام:104} .
فإذا كان الإسلام صالحاً لكل زمان ومكان، فذلك سر صلاحيته، وسيأتي اليوم الذي تبلغ فيه الإنسانية رشدها فتدرك الحقائق المعنوية، إدراكها الكائنات المحسة، وستغدو تلك الحقائق من الوضوح بمكان قول أحدنا: أن السماء فوقنا، والأرض تحتنا..
نقول ذلك لندرك سر نجاح المشرع الإسلامي فإنه لا يرجع إلى قواعد عقدت، وقوانين أصلت، فامتثلها قوم وعملوا بها في رغبة، بل إلى وعي باطن، أدركت بصائره ما كان خافياً من الحقائق، فامتثلته السريرة، وجاء امتثال الجوارح تعبيراً متَّسقاً مع ما في السريرة من حياة وغبطة وإدراك..ونقرره في هذا المقام لندخله في اعتبارنا، ونحن نعرض قطاعاً من الاشتراكية الإسلامية، فإن عرضقواعد تلك الاشتراكية، دون ملاحظته، يطفئ الفهم، فلا يتسنى النفوذ إلى غورها، ويفقدها الروح المجدّد للطاقة، الباعثللضمير، المبدع لأروع مُثُل الأمانة والبذل، فتبدو كأنها مقحمة على الواقع، منافرة لأصول القرآن، شاقة على النفس، متأبية على التحقيق والتنفيذ، فمن تلك القواعد -مثلاً-أن ينفق المرء ما فضل من حاجته، تنفيذاً لقوله تعالى :[وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ] {البقرة:219} . فإن الناظر إليها من زاوية الاقتصاد المدني البحت يرى فيها المنافرة والمشقة التي ذكرناها، وقد يرى فيها عدمالصلاحية للتنفيذ، لكنه حين يلاحظ ما قدمنا وينظر إليها من خلال بصيرته، تبدو له بمكان القانون الذي لا حول عنه، كما يشخص قانون الأجسام الطافية في أذهان«مصممي» السفن.
ولذا نرى من الضروري أن نقدم بعض تلك الحقائق لتكون إطاراً عاماً نفهم في نطاقه قواعد النفقة في دستور اشتراكية الإسلام، على ما يأتي:
1-إن المال مال الله..وهي مثال للحقائق التي قلنا أنها تزاحم البدهيات في سبقها إلى معايير العقل الأولية، وتمتاز بأنها حقائق ثابتة أصيلة لا يطرأ عليها بتة أي تبديل، وليست بدعا من سوانح الخواطر، أو ثمار الاجتهاد..
والعبرة في تلك الحقيقة أنها مع وضوحها غاية الوضوح في ذهننا الظاهر العادي مجهولة كل الجهل لوجداننا الباطن الذي إليه المرجع في توجيه الإنسان على وفق تلك الحقائق.. فعلينا أن نشهد تلك الحقائق ببصائرنا، كما نشهد الكائنات المحسة بأبصارنا العادية، لتحل في ضمائرنا محل القانون الذي لا حول عنه، فتكون تصرفات المالية أوضاعاً مفصلة على سمتها، وصوراً معبرة عنها أصدق التعبير..
2-إن هذا المال إذا كان لله بحقِّ الإبداع الأول، والخلق على غير مثال سبق، فقد جعله سبحانه للبشر فضلاً ومنَّة منه، وهو سبحانه يقول :[هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا] {البقرة:29}. فهو للنَّاس كافَّة، لا لطبقة معيَّنة، ولا امتياز لبشر فيه على آخر، حين ننظر من جانب الفضل الإلهي المحض..فليس ثمة دخيل على هذا المال أو أصيل.
ونعني بالمال : كل ما خلق الله من موارد الثروة الزراعية، والحيوانية، والمعدنية، وما يتعلق بها أو يخرج منها من منفعة ضرورية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«عادي الأرض لله ورسوله ..ثم هي لكم»..على أن العبرة في فهم تلك الحقيقة، ليس بمنطقها الواضح الذهن، بل بوجدانها الهادي الموجه على نحو ما أسلفنا في سابقتها..
3-إن الناس لا يثمرون تلك الموارد أو المرافق «بمجموعهم» بل «بأفرادهم» فإن المجموع ليس كائناً عضوياً، أو«وحدة آلية» ذات إرادة وتدبير وموهبة، بل هو مجموع «وحدات» منفصلة، متباينة، يستقلّ كل منها عن الأخرى بإرادة خاصّة، وملكات ذاتية ومواهب في التدبير والطموح دافعة إلى الامتداد والعمارة، والعمل.. تلك الوحدة الذاتية المستقلة، هي الفرد.. وذلك من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى إطالة في تقريره.
4-إن الناس إذا كانوا يثمرون المال «بأفرادهم» لا «بمجموعهم» ، فمقتضى هذا -بداهة- أن الفرد إنما يعمل في مال «المجموع» لا في مال خاص بفرد أو طائفة، فقد قدَّمنا أنَّ ليس ثمَّة من صفة للمرافق والموارد إلا وصف «الملكية العامة» أو«مكية الجماعة»..فالفرد على هذا لابدَّ «أن يبصر» في عمق أنه إذ يعمل، ويجد، ويثمر، إنما يعمل، ويثمر في موارد الجماعة..ولا قرار ذلك في يقينه يجب أن يدرك أن «المواهب» في الأفراد هي فضل الله، كما أن موارد المال هي محض فضله سبحانه، فليس له أن يرى لنفسه فضلاً في تلك المواهب أكثر مما يرى لها من فضل في موارد المال..وأن يفهم أن المواهب -في مجال الاقتصاد- إنما هي وسيلة تثمير وتعمير، لا وسيلة استعلاء وأثرة..وأنه سبحانه إذ وزّع مواهب النفوس، ووضع ملكات العقول في شتى الأفراد على أنماط متباينة الصنوف والمشاربإنما أراد ما فعل، وفعل ما أراد، ليعم التثمير صنوف الموارد، ويشمل التعمير شتى جوانب الحياة، ويعمل كل فيما يسر له.. ويجب أن يبصر أن التنويع في توزيع المواهب إذا قصد به عموم التثمير والتعمير، فمصلحته هو مكفولة بذلك غاية الكفالة، أي أن فضلمواهب غيره على صالحه الخاص، لا يقل عن فضل مواهب نفسه في ذلك..
وأخيراً: يجب أن يبصر أن مواهب المرء -مع أنها محض فضل الله عليه- أعجز من أن تخلق مالاً أو تبدع مرفقاً، فهي وسيلة تثمير وتعمير فقط، لا وسيلة إبداع وخلق، فحالها حال السلب المحض من حيث إيجاد الأرزاق، وجهدها فيه لا يزيد على جهد أي حيوان لا حيلة له ولا موهبة، والله سبحانه يقول: [وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ] {العنكبوت:60} فقوله سبحانه: [اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ] - بعد أن نفى عنها أن تستقلّ في رزقها بحيلة- يسلك الإنسان وإيّاها في فطرة الاضطرار إليه جلَّ شأنه أي: يجعل حيلة الإنسان ومواهبه الرائعة، وسائل ملغاة أو معطلة لا يمتاز بها في عالم الخلق من أيِّ حيوان قاصر الحيلة أو لا حيلة له..
تلك الحقائق يجب أن يبصرها الإنسان حتى تغدو في يقينه بمقام أن السماء فوقنا، والأرض تحتنا، فإذا استعلنت له هذا، الإستعلان، اتّضحت له حقيقة صلته بالمال، وأنه إنما هو عامل في مال الجماعة، وأن القدر الصحيح لمواهبه أنها وسائل تثمير وعمارة لا وسائل إبداع وخلق..
5-انه إذ كان المال مال الجماعة، والفرد عاملاً فيه، والمواهب وسيلة للتثمير، فان ذلك يفضي إلى حقيقتين:
الأولى:أن المواهب بمثابة أذن من الله للفرد، أو تكليف له أن ينوب عن الجماعة في تثمير الموارد..
والثانية:أن تلك المواهب يجب أن تعمل جميعاً، وأن تمتد كل منها إلى غاية مداها لتحقيق أهدافها.. فثمة الذكاء الذي يرجع إلى تنظيم التثمير، واستفادة الخبرة له من تكرار التجارب..وثمة الطموح الدافع للامتداد، والكشف، وتطلب الكمال ..وهما-الذكاء والطموح- قائمان في نطاق «استقلال الشخصية» الذي تمثله «حرية الاختيار» و«الإرادة» المنبثقة عنه، وللاختيار والإرادة أثرهما في تعيين ميدان التثمير والتوجيه إليه.. فهذه كلها يجب أن تعمل، وأن تمتد كل منها إلى غاية مداها لتحقيق أهدافها.. فالطموح، إذا كان ذا أثر في إكثار الإنتاج، ودفع الذكاء إلى تطويره، فإنه-أصلا- منبعث من مركز «الفردية» في المرء، مركز الإرادة والاختيار، منبعثلا ليحقق التثمير نفسه، بل ليحقق رغبات ذاتية في حصيلته، هي أهدافه التي نيطت به، ولا يتم ذلك بداهة إلا أن ينتهي مداه بتحقيقمنطقه الأزلي في حيازة تلك الحصيلة.. وذلك قطعا هو تمام سُنَّة الله وإرادته التي لا تجوز معارضتها..
6-ومن الحقائق التي تسلمها البديهة - بناء على ما تقدم- أنه مادام الفرد يتولى تلك النيابة بحق ما أُهِّل به من مواهب، فهي نيابة يمتد سلطانها -ولا بد- حتى يغطي آفاق المواهب جميعاً، آفاق نشاطها وأهدافها، ابتداء من انبعاث موهبة «الاختيار» لأداء مهمتها في تعيين نوع التثمير وميدانه.. وانبعاث «الإرادة» للتنفيذ بتوجيه الذكاء والطموح ليعمل كلٌّ في اختصاصه..وإمدادها بطاقات الشوق المتجددة…وتسخير أعضاء البدن لخدمتها… إلى الانتهاء بالحصيلة إلى مركز الانبعاث الأول..أي يمتد سلطان تلك النيابة على حصيلة العمل في حيازة المرء، امتدادها على ألوان النشاط في آفاق الموارد والتثمير..
وقد تبدو تلك النيابة في بعض الأذهان من قبيل الفروض الحسنة، أو بدائع الشعر المستملحة، وذلك لخمود الوجدان، وقصور الهمَّة عن تحقيقها، فلنعلم أنها الحق الأزلي، الذي لا يلبث أن يغدو قانوناً ذا فاعلية وإيجاب إذا المرء عمق له باطنه، وكشف ما فيه من ملكات الرؤى والاستبصار.. والله يوجز ذلك كله في جانب من قوله تعالى : «[آَمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ]{الحديد:7} فذلك الاستخلاف هو النيابة التي أسلفنا على ما قرره أئمة التفسير.
ووضع ذلك النائب أو الخليفة فيما يحرز ويثمر، يتجرد ويتحدد بأنه ليس وضع المالك المطلق، فإنه إنما يحرز مال الجماعة..وليس وضع الحيوان الأعجم أو الآلة الصماء، لأن مواهبه إذن من الله بإحراز ما يثمر..أوهي تكليف بذلك..
7 - ونخلص مما تقدم بحقيقة أخيرة هي بمقام المنطق الحتمي لسلسلة الحقائق السالفة، تلك أنه لا حق لأي فرد-إطلاقا- أن يكنز ما تحت يده من المال، فيعطله عن التثمير، ويحتجبه من دون أرباب الحق فيه..
ولكن، ماذا له فيه؟.وماذا عليه للمجموع؟.
ذلك هو ما حدا بالصحابة أن يسألوا سؤالهم السابق..وقد أجاب عنه الإسلام في نطاق الحقائق التي قدمنا بما نوجزه فيما يأتي:
تنويه:
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين