من أجمل الآثار التي أثمرتها الاشتراكية الإسلامية، ذلك الضمير النقي، الذي تحرج في نفقة المال، فلم يمسسه بإخراج شيء منه حتى ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله:ماذا ينفق منه، وماذا يبقي؟!
وقد تكرر هذا السؤال أكثر من مرة، وسجل منه القرآن الكريم موقفين في سورة البقرة:أحدهما في قوله تعالى :
ونستطيع أن نتمثل الورع الصادق في ذلك الضمير، وقد أثار في نفس صاحبه أزمة حرج وقلق:ماذا ينفق، وماذا يدع؟..لعله إن أمسك درهماً، أمسكه ولا حق له فيه، فيغضب الله تعالى، أو لعله إن أنفقه، وقع حيث لا يحب سبحانه!! فخرج من تلك الحيرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله الطمأنينة والرشد..
ولا يسعنا أن نمضي إلى غرضنا من هذا المقال دون التنويه بذلك الضمير، والإشادة بالتكافل التي أثمرته، ونحن نرى تلكالاشتراكيات المتطرفة التي يسمونها الشيوعية، وقد قامت في ضمائر ذويها مقام العقيدة، وحلت مراسمها بينهم محل شعائر الدين -لم تثمر في تلك الضمائر شيئاً إلا أنانية اللذة، وشياطين الجشع الجائعة إلى مال الشعب .. وكل من يتابع الأنباء العالمية يعرف أنباء المحاكمات الروسية التي قدم لها وزراء الدولة وكبار موظفيها والمسئولين فيها، وانتهت عليهم بأحكام الإعدام والسجن لأنهم سطوا على أموال الشعب، فسرقوا الحاصلات الزراعية من مخازنها، وغيرها، وفي كل يوم يعلن خروشوف زعيمهم العالمي جديد! من أنباء تلك المحاكمات..نعم نذكر ذلك، ونذكر إلى جانبه أن الضمير الذي تحدثنا عنه ليس ضميراً أسطورياً، ولا متخيلا ًفي ذهن روائي يعشق المثاليات، بل هو ضمير عرفه الواقع في سيرة أناس من البشر عاشوا على هذه الأرض، وسجلته السُّنة، ونزل الوحي بتزكيته والإجابة عما يسأل عنه، وقرأ الجيل النبويُّ ذلك الوحي، فألفاه ترديداً وتسجيلاً لما عرف وشاهد، وتعبّدوا بتلاوته والقراءة به في الصلاة… ولا نعرف تحية لذلك الضمير أزكى من تلك الموازنة التي ترينا تألقه في أمانة مثالية عفَّت عنّ أن تمد يدها إلى مال في حوزتها..لا في مخازن الدولة وحواصل الشعب..عفَّت أنّ تمد يدها إلى مالها لا إلى مال غيرها.. ولو أنها امتدت لكان حسبها عذرا أن نصاً صريحاً لم ينزل ينهيها..أو لكان حسبها مغرياً بالامتداد، أن أحداً لا يراها، ولا يحصي عليها ما دخل وما خرج…وإنا لندرك انه ليس أقسى على مذاهب الخداع والزيف، من تلك الموازنة الحاطمة، فما أبعد الفرق بين مذهب يحمل في تعاليمه لضمير البشر بذور الحياة وحقيقة الضوء، ومذهب لا يحمل سوى جراثيم الموت ومحنة الظلام..
ذلك -إذن- مذهب راشد، أو هو المذهب الراشد في الاشتراكية، إذ يثمر لنا ذلك الضمير النقي، ويقرر لأول مرة مبدأ «المسئولية في النفقة».
وقبل أن يقرر القرآن ذلك مهَّد له بذكر ما كان سائداً من وجوه الفساد في إنفاق المال أو إهلاكه، من ذلك أن الله تعالى أقسم في سورة البلد: [لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ] {البلد:4}ونعى عليه أنه ينفق ماله عبثاً في غير مبالاة، على نهج اجتمعت معايبه في قوله: [يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا] {البلد:6}–أي: كثيراً مجتمعاً- هو نهج جاهلي لا يعرف في نفقة المال حدوداً مرسومة ولا مصارف حق ينتهي إليها.
والجاهلية ليست هي العصر الذي سبق نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هي خصال من الطغيان ينزع لها المرء يده من ميثاق الله تعالى ، وينفلت وجدانه من عروة الإيمان به-جل شأنه-..فيغشاه غرور القوة-إن كان حاكماً أو جباراً في الناس -فينسخ في ضميره كل سلطان فوقه، فيحسب [أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ] {البلد:5}..وتأخذه حمية السرف -إن كان ذا مال- فيغدو جامد الحس عن آلام الضعفاء والمساكين، متفجر الهوى لبواعث الفخر واللذة والرياء، لا يعنيه ما ينفق في ذلك، إلا أن يشعر بتمام الرضا عن المدى الذي انتهى إليه كل باعث، وأن تطمئن تلك البواعث إلى أنها مستجابة الرغبات سلفاً في كل ما تنزع إليه..وهي حال من نسخت في وجدانه معقبات الجزاء والمسئولية، فلا يبالي ممَّا أنفق إلا أنه منهاج الاستعلاء بين أقران يتفاضلون بإهراق المال في دواعي الفخر واللذة والرياء، أو النهج الذي اجتمعت معايبه-كما أسلفنا-في نطاق قوله: [أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا] {البلد:6}. . ويدركه فجور الإثم، فلا يتورّع عن مظلمة، ولا يستحي من نقص، ولا يخجل من شين أو خطيئة، فقد بلغ من استعلائه وقلة حيائه أن نسخ وجود الناس في اعتباره، فهو يفعل ما يفعل غير محتشم من أحد، ولا مكترث لشيء، وكأنه وحده، أو كأنهم قوالب لا تبصر ولا تحس، على المعنى الذي يلم به قوله سبحانه: [أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ] {البلد:7}.
تلك خصال الجاهلية، جميعها سبحانه في ثلاث جمل، أو ثلاثة أصول، فأيما عصر أو جيل استعلن بها -قبل الإسلام أو بعده- فهو الجاهلية المرادة..ويعنينا من خصالها تلك، نهجها «الذي لا يعرف في نفقة المال حدودا مرسومة، ولا مصارف حق ينتهي إليها» فهو الذي نعاه سبحانه على«إنسان الجاهلية»، وكان المسلمون يومئذ -وهم أهل البيئة- يدركون عمق ما يرمي إليه القرآن، فدعاهم ذلك أن يستبرئوا لدينهم، وأن يخرجوا من تبعة أي نفقة بسؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم
وبهذا التمهيد ومثله تحول المجتمع من فوضى الجاهلية، وحمية النفقة الحمقاء، إلى وقار الحكمة في عمق الفهم، وسداد المقاصد وضوابط الخشية والنظام..
تنويه:
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين