يجدُ المتابعُ لوسائل الإعلام تفاوتًا كبيرًا في تناول القنوات لما يجري في ليبيا، وإذا أردنا أن نفهم ما يجري فالواجب أن نعود قليلاً إلى الوراء، وذلك قبل أن نستعرض الواقع حسب رؤيتنا له من داخل ليبيا، ومن خارج ساحة النزاع فيها.
1-1- في بداية تشكيل الدولة الليبيّة عقب الثورة كان الثوّار متنزّهين عن تولّي المناصب، وقالوا إنّهم شاركوا في الثورة ابتغاء الأجر من الله، ولكنّهم في ذات الوقت لم يقبلوا تسليم سلاحهم إلى جهاتٍ غير متشكّلة، فلم يقبلوا تسليم أسلحتهم إلى وزارة الدفاع أو الداخليّة وذلك لأنّها كانت غير فاعلة حقيقةً، وذهب بعضهم إلى أنّ الدولة التي لا تحكم بشرع الله تعالى لن تأخذ منهم سلاحهم.
1-2-في المرحلة التالية صارت هناك قوّتان: قوّة الثوّار وقوّة الدولة ممثّلة في وزارة الدفاع. كانت غالبيّة قوّة الدولة من فُتات النظام السابق، وبقايا تشكيلاته التي زعمت انشقاقًا أو انشقّت حقيقةً، لكنّ تربيتها الدفينة كانت متأثّرةً إلى حدٍّ كبيرٍ بعقليّة النظام في التعامل مع الشعب الليبيّ عمومًا ومع الإسلاميين خصوصًا، وغالبيّة قوّة الثوّار من الإسلاميّين على اختلاف توجّهاتهم.
1-3- وازنت الدولة بين القوّتين، وكانت مراكز القوى في الدولة تحتاج من ناحية إلى قوّة الثوّار؛ لئلاّ ينقلب عليها العسكريّون، وتحتاج إلى قوّة العسكريّين من ناحية أخرى؛ لئلاّ يُسيطر الثوّار على المشهد.
1-4-- وضعت الدولة شروطًا لانضمام الثوّار أبرزها انضمامهم فرادى حسب رُتبهم وشهاداتهم، وقد وافق فريقٌ منهم على الانضمام إلى أجهزة الدولة، إلاّ أنّ أكثرهم رفض أن ينضمّ إلاّ كتلةً واحدةً بتشكيله القائم، ممّا أدّى لنشوء صراعٍ بين الثوّار وكتائب الجيش.
1-5- تمّ إطلاق مجموعة كبيرة من المجرمين (حوالي 1600) من سجن (الكويفيّة) من بنغازي، وانتشروا في المدينة يُمارسون فيها إجرمهم، دون أن يجدوا من الدولة محاصرة أو تضييقًا، ودون أن يُسمح للثوّار بالتصرّف معهم!
1-6- حارب العلمانيّون خلال هذه الفترة إلى جانب أجهزة الدولة التي سيطروا عليها من خلال وجودهم في وزارات سياديّة كالخارجيّة والدفاع والداخليّة، ومن خلال وجودهم في المؤتمر الوطني (التحالف الوطني/ محمود جبريل)، واستطاعوا من خلال وسائل إعلام تابعة لهم (ليبيا لكلّ الأحرار/ محمود شمّام، وليبيا أولا/ حسن طاطاناكي، وغيرهما) أن يُجيّشوا الشارع ضدّ الإسلاميّين عمومًا.
1-7- تحرّك اللواء المتقاعد خليفة حفتر مع مجموعة ممّن تمّت تعبئتهم ضدّ التيّار الإسلامي عمومًا، وقد تمّ حشر تنظيم أنصار الشريعة (الجهاديّ) -الذي سنعود إلى واقعه في حلقة قادمة إن شاء الله تعالى- مع الإخوان المسلمين (الدعويّين والسياسيّين) وتصنيفهم أعداءً للشعب الليبيّ!
أمّا الواقع الذي تعيشه اليوم ليبيا فهو:
2-1- في البداية لم يكن للّواء المتقاعد خليفة حفتر تأييد من قبل المفكّرين والسياسيّين (حتّى العلمانيّين) وذلك بسبب التجربة المصريّة (السيسي) التي زجّت بعلمانيين مصريّين في السجون (6 إبريل)، ولذلك فإنّ علمانيي ليبيا لم يكونوا مع (معركة الكرامة!)، وبعد ذلك رأى العلمانيّون أنّهم لن يقدروا على التخلّص من شبح الإسلام السياسيّ أو الجهاديّ إلاّ من خلال القوّة العسكريّة الضاربة والدمويّة، ولذلك فقد انقلب كثيرٌ منهم وأصبحوا الآن داعمين بشكلٍ أو بآخر لما يُسمّى بـ(عمليّة الكرامة!).
2-2- يقوم عددٌ من وجهاء القبائل بالتشاور لردّ هجوم (حفتر!) ومن معه، وهناك مساعٍ حثيثة للحدّ من همجيّة الهجمة التي يُمارسها ومن معه ضدّ أهالي بنغازي.
2-3- قادة الثوّار موحَّدون بشكلٍ كامل، وإن كانت بينهم خلافات فكريّة أو عقديّة، وهم يواجهون معًا أيّ هجوم على مدينة بنغازي.
2-4-- قوّة (حفتر!) المتوقّعة ضعيفة، ولولا وجود داعمين له في القاعدة الجويّة لما استطاع أن يقوم بهذا التهويش.
2-5- (حفتر!) كما يتوقّع كثيرٌ من المطّلعين والمحلّلين استلم ثمن ما يقوم به، وهو يقوم الآن بتسديد الفواتير لمن استأجروه ليقوم بعمليّاته، من خلال القيام بعمليّات لا قيمة لها في الميزان العسكريّ، ولا تأثير لها في الصراع نهائيًّا، بل لعلّ أكثرها ضدّه شخصيًّا وضدّ من يقوم بها.
2-6- يُتوقّع في المرحلة القادمة من المعركة أن يستقوي (حفتر!) بالدول المجاورة وخصوصًا مصر والجزائر في حربه على الثوّار والإسلاميّين.
2-7- المتوقّع -والله أعلم- أن تستمرّ هذه العمليّات مدّة لا تقلّ عن عدّة أشهر وقد تصل إلى سنوات.
إلى لقاءٍ آخر في:
3- (أنصار الشريعة في ليبيا مشروع داعش جديدة!)
4- (وضع الإسلاميّين السياسيّ والعسكريّ في ليبيا بعد الثورة وخلال (معركة الكرامة!) ... )
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


