
الإسلام كرّم المسلمَ ميتاً كما كرَّمه حياً، فأمر بتغسيله وتطييبه وتكفينه، ثم الصلاة عليه ومواراته في القبر. كما نهى عن امتهان القبور، فحرَّم المشي أو القعود عليها، ودعا إلى زيارتها، والسلام على أهلها، والدعاء لهم. وبنفس الوقت حرص على توحيد المسلمين، وما يؤدي إلى الغلوِّ في القبور، فنهى عن الصلاة في المقابر، وتشييد البناء والمشاهد والقباب عليها، كما أمر بتسوية القبور المشرفة.
في صحيح مسلم: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ). لا تهن القبر فتقعد عليه، ولا تعظمه فتبني عليه.
وفي الصحيح كذلك: ("لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ"، يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا).
قال الإمام الشافعي: "قال الشافعي أكره أن يرفع القبر إلا بقدر ما يعرف أنه قبر لكيلا يوطأ ولا يجلس عليه". وقيل يرفع بمقدار شبر عن الأرض.
قال ابن حجر الهيتمي: "تجبُ المبادرة لهدم المساجد والقباب التي على القبور؛ إذ هي أضر من مسجد الضرار؛ لأنها أُسست على معصية رسول الله". لكن مبالغة البعض في تسمية القباب بالشركية غلط. فمع تحريم البناء على القبور، إلا أنه ليس شركًا في حد ذاته بإجماع العلماء. فالشرك في فعل الناس عند القبور (مثل الذبح للميت والاستغاثة به) وليس في البناء، كما أن الشرك موجود مع وجود البناء وعدمه.
وعلى هذا فالإمام النووي (وهو أحد أعظم أئمة الإسلام، ومفخرة حوران) قد أمر بعدم بناء قبة فوق قبره. ونفذت هذه الوصية وزرع أحد أقاربه شجرة عند قبره لتمنع بناء شيء فوقه. وما ترونه في الصورة مجرد سور محيط بالقبر ليمنع عبث الجهال.
فتفجير قبر النووي جريمة، ونسبة هذا العمل للإسلام جريمة أكبر. ولم يقل أحد من علماء الإسلام بهدم سور المقبرة، ولا قال أحد بتفجير القبر وانتهاك حرمته. فإن (كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا) كما في الحديث.
ومن قام بهذه الجريمة الهمجية إنما يريد أن ينسف أي مرجعية سنية عند أهل الشام وإبدالها بالغلاة . وعبثا يحاولوا.
أقول : عندما يكون هناك دولة ذات سلطة مستقرة، فعندها تبدأ بتعليم الناس وتوعيتهم بتلك المخالفات الشرعية، ثم تكون إزالة هذه المخالفات في نهاية المطاف. ولكم في الطالبان (أيام تمكنها) عبرة، حيث لم تقم بهدم المزارات لكن أحاطتها بأسلاك شائكة لمنع الطواف حولها، ووضعت لافتات توضح أن الصلاة والنذر لها لا يجوزان.
أما اليوم ونحن في حرب غير مستقرة، فالقدرة على الإزالة غير موجودة. وليس المقصود مجرد هدم بعضها أو أحدها، بل القدرة على إزالتها والاستمرار في ذلك دون ترتب أذى أكبر.
قال الإمام النووي: "إذا تعارضت المصالح، أو تعارضت مصلحة ومفسدة، وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة، بدئ بالأهم؛ لأن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أخبر أنَّ نقض الكعبة وردها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم عليه السلام مصلحة، ولكن تعارضه مفسدة أعظم منه، وهي خوف فتنة من أسلم قريبًا، وذلك لما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة فيرون تغييرها عظيمًا".
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


