أرسل لي أخي الدكتور عبد الحكيم الأنيس رسالتين جميلتين ، سطر فيهما ما دار في مجلسين كريمين كنا فيهما مترافقين ، المجلس الأول : كان مع الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله في دبي عندما أتينا لزيارته وتحصيل الإجازة منه، والثاني: كان للشيخ محمد عوض الدمشقسي عندما دعوته مع الأحباب لمسجدنا في دبي .
ويطلب مني الاستزادة لما فاته وغاب عنه فيهما ، وقد كان يسجل أثناء حضوره ما يدور فيهما من فوائد ودرر ، ولكن بعد مرور سنوات طويلة نسيت أنا أكثرها ، فأجبته : ( وإنها لطريقة جميلة فيها تدل على الحرص في كتابة ما يدور في مجالس العلماء، وهي مأثرة قليل من يقوم بها)، وهذا ذكرني بشهادة أبي هريرة لعبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما حيث قال : (ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا عنه مني ، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب )، وقد أحيى فينا سنة طيبة كان بعض العلماء يقومون بها ، ومن ذلك ما سجله الرحالة عبد الله بن جبير بعضا مما جاء في مجالس ابن الجوزي رحمهما الله.
وهذا ما دفعني لأسطر مجلسا لعالم جليل لم أره في حياتي إلا مرتين، عندما كنت أطلب العلم ، التقيت به عندما كان مجاورا للحبيب صلى الله عليه وسلم في مدينته المنورة، الأولى كانت في بيته ، والثانية كانت عند الحجرة الشريفة، فبقي أثر اللقائين بصمة راسخة في كياني ، وصورة منطبعة في مخيلتي لا أنساهما في حياتي، إنه المحدث المفسر العلامة الشيخ عبد الله سراج الدين الحلبي رحمه الله.
المرة الأولى: جاء إلى المدينة المنورة شيخ عراقي أحسبه من الصالحين الملهمين، كنت أراه يأتي لزيارة شيخنا الشيخ محمود الشقفة رحمه الله ، فطلب مني الاستئذان لزيارة الشيخ عبد الله ، وبالفعل أخذنا موعدا عن طريق أحد المقربين من الشيخ ، وجئنا لبيته ، وبعد الاستئذان والدخول ، وإذا بمجموعة كريمة من علماء حمص يحضرون لزيارة الشيخ ، أذكر منهم الشيخ وصفي المسدي رحمه الله ، والشيخ ممدوح جنيد وغيرهم، وكان مجلسا عامرا يأخذ بالألباب ، ويقر العيون ، وينير الفؤاد ، وكأنك في عالم من عوالم الجنان ، قوت للأروح ، وزاد للعقول ، وبهجة للناظرين، أروع ما جاء فيه:
1- قبل الحديث : افتتح الشيخ مجلسه بصحيح البخاري ، فقرأ حديثا بالسند، ثم أعطى الكتاب لمن كان بجانبه ليقرأ ، وهكذا حتى قرأ كل واحد من الحضور حديثا حديثا بسنده.
2- ثم يفتتح الشيخ بتعليق جميل ، ونصيحة مقتبسة من الأحاديث التي تليت، وكنت أرمق الشيخ وبيده سبحته الجميلة ، بعد كل فقرة يقولها : يصلي بعدها على النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن ليست بالطريقة الاعتياديّة ، بل بنشوة وطرب ، وفرح ولذة ، فكان ينتشي نشوة الحبيب عند ذكر محبوبه ، وكأنَّ الصلاة عليه زاده وروحه ، يلهج بذكر الحبيب بحالة من الوله والصبابة .
3- والميزة التي تفرد بها هذا الشيخ المبارك ، أنه يربطك بالنبي صلى الله عليه وسلم ربطا عجيبا، فلقد دار الحديث بعدها عن كرامات الأولياء والصالحين ، ومنهم السيد عبد القادر الجيلاني ، وذكر مقولة الشيخ ابن تيمية رحمه الله من أنه لم تصلنا كرامات شيخ بالتواتر كما وصلتنا كرامات الشيخ عبد القادر ، ولكن كلما ذكر كرامة فكان يقول: (هذه كرامة ولي من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم ، فكيف بكرامة نبينا عند الله ، وهذه هبات جليلة من الله لأحد محبِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكيف بهبات الله وعطاءاته لنبيه صلى الله عليه وسلم )، وهكذا حتى لا يأسرك الموقف، فينقلك نقلة سريعة تعيش فيها مع الحبيب صلى الله عليه وسلم .
4- احترام منقطع النظير ، وإجلال للكبير والصغير ، يشعرك كأنك أنت صاحب الفضل عندما أكرمته بزيارتك.
5- مجلس عامر بالعلم والذكر ، لا تسمع فيه غيبة ولا لغطا ، يدفعك دفعا حانيا حثيثا للاهتمام بالعلم ، ويعطيك جرعات من المحبة ، والزاد الروحي ، تنساب في فؤادك انسيابا رقراقا سلسبيلا.
المرة الثانية: كنت في الروضة الشريفة الشريفة ، فجاء الشيخ فصلى ركعتين ، ثم قام إلى الزيارة النبوية ، فجعلت أرقب هديه عند السلام ، وسمْته عند اللقاء ، وإذا بي أمام مشهد آسر ، ومنظر أخاذ ، وكأن الشيخ بجميع ذرات كيانه تسلم وتحيي النبي صلى الله عليه وسلم ، في حالة من الاستغراق والحب ، والشوق والحنين، وكأن نيران المحبة أشعلت فؤأده ، فظهرت على محياه وهزت كيانه ، فتارة بالنضارة والسرور ، وتارة بالبكاء والحبور
رحمه الله رحمة واسعة
تنويه:
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين