لماذا يحسدونني؟

لماذا يحسدونني؟

التصنيف: ركن الشباب
الأربعاء، ٢٢ ربيع الآخر ١٤٣٦ هـ - ١١ شباط ٢٠١٥
1216

 

 

استمعت لشكواك يا أختاه  بلحن  الألم منك لكني كنت في ركن آخر اطل من على نافذة مكتبي حينما زرتني و فيك بوح انطلق بدموعك التي لم تتمالكي نفسك  في كبت سراحها ..فقد أودعت لك وقتا كافيا لتعبري عما يحير روحك ووجدانك و ركنت في سكوني أرقب ذاك الأنين الخافت على مسامعي ، لأنك كنت متحفظة و بريئة و ضعيفة و التقى الكل على بعضه ليشعرنني بآفة هذا العصر التي شتتت الشمل و ألحقت الضرر بالأجساد و هدمت طموحات كادت تصل إلى علو المراتب ..

أخفيت عنك يا أختاه نظراتي التي أطرقت بها على ملفاتي تحت ذراعي  و انا خط بقلمي رسومات لم أكن اقصد  منها شيئا سوى أني أخفيت انطباعي و تجاوبي مع حسرتك أختاه و اكتفيت بالاستماع المجمل بطأطأة رأسي الذي وافق فيه كياني كل انفعالاتك و حيرتك..صدقا ما أصعبه من ألم و ما اعقدها من قضية حينما لا يكاد المخلص و التقي ينفك من هكذا مشاكل لم يكن سببها سوى حسدا أضحى واضح المعالم و التعبيرات..لكن لما كل هذا ؟ و هل فعلا في الحسد متعة و نتيجة و أفق صريح لما تطمح إليه النفس المريضة و الضعيفة و لو أنها كانت تبدي الكثير من حسن التربية و الكلام الجميل الذين لم يكونا على الإطلاق يعبران على حقيقة ما تخفيه تلك الشخصية الغامضة من حقيقة  و أي حقيقة ، إنها علة الحسد لكل ذي نعمة..

يا لألمي على هذه الأخت التي عصر الفراق قلبها حينما رحل عنها الهناء و النوم و السعادة  و حتى عنوان ابتسامتها رحلت هي الأخرى فلم تعد تشعر بأي معنى للحياة بعد هذه الآفة ، يا لصمتي الذي لزمني في ذاك الدعاء الخفي  و أنا أسأل الله أن يفرج كربتها و يعوضها خيرا و يرزقها الأمن و الأمان و راحة البال..هذا ما قدرت عليه لأن لها مستوى إيمانيا يكفيها الصبر و الفهم الصحيح لما هي فيه من ضيق..

فقد روت لي كيف كانت تحسن لكل من عرفها و تمد يد العون لمن طرق بابها و كيف كانت تطلب من الكل أن يشاركها فرحة الحياة في أي نجاح تحققه و لم تكن على الإطلاق تنتظر ردودا فعل تفاجئها بالمتغيرات الحقيقية التي كانت موجودة في الأصل لكنها كانت ضامرة لا تظهر على الملامح ،فروت لي كيف اشتد عليها المرض من نوبة إلى أخرى و كيف كانت تسقط في شباك الإخفاق بسبب حسد المقربين لها على رغم أنها  كانت تحس بدنو أي انتكاسة لها فكانت تزداد قربا من الله و تلتزم ضوابط الأذكار أكثر من ذي قبل ، طبعا هذا بعد أن وجدت نفسها تصارع الضياع و التغير الذي آل بها من حال إلى حال ، سبحان الله مغير الأحوال في أن يكون لك مال و صحة و شان مرموق ثم تهوي فجأة إلى غير مستوى يعرفك فيه من أعجب بك من قبل ، ألهذه الدرجة حسد الحاسد يبعد المنى و الأمل و الرزق و الخير ؟ صدقا إنها موت عن قرب  و حتى عن بعد فالأقرب في حسده أشد و أكثر تأثيرا ممن لا يعرفك تفاصيل حياتك و مكنونات المواهب لديك ، ثم هل سيطالب المرء دائما أن لا يتكلم و لا يشارك أحدا وليمة أو عرسا أو فرحة أيا كان سببها ؟، و هل في تكافل المجتمع المسلم منفذ للحسد  أسلوبا لإيذاء المحسود الذي لديه أمورا فقدها و صبر عليها ولم يبدها لأحد؟ ، ثم لما  كل هذه الغيرة و المرض و الله عز وجل قسم الأرزاق بقدر فحرم هذا و أعطى ذاك لحكمة يعلمها هو عز وجل، فأين القناعة من صدور هؤلاء و أين الرضى في قلوبهم بما قسمه الله لهم ؟..و ما النتيجة و الهدف المبتغى من الحسد؟ و لما يؤذي المؤمن أخاه المؤمن هكذا عبثا و اعتباطا؟ أو لم يوصنا حبيبنا محمدا بالتراحم فيما بيننا و التكافل لنكون كالجسد الواحد يشد بعضه بعضا وقت الأزمات ؟، ثم كيف ننشد التغيير و نحن نؤذي بعضنا البعض و يتمنى الحاسدون زوال النعم على المحسودين؟ كيف نؤدي رسالة الخير و الإحساس بالغير في حرمانه و مرضه و عوزه و آلامه؟ أو لهذا منحنا فرصة لأعدائنا أن يعبثوا بكراماتنا و كل ما له صلة بإسلامنا ؟ ، ألهذا كثر الكره و التخاصم و التنافر و التفرق و التشتت ؟ ألهذا كثرت الأمراض الروحية و لزم أصحابها فراش المرض مددا؟.ألهذا لم نعد نتذوق طعم الحياة الحقيقي ؟ ألهذا فضلنا الانغلاق على أنفسنا خوفا من الأذى و الحسد ؟ ألهذا لازمنا بيوتنا بعيدا عن مجالس الذكر و السمر السعيد بذكر الله و الصلاة على حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم؟ ألهذا تعطل الانبعاث الحضاري لخلل فينا و ليس في غيرنا من الأمم ؟  ..

نسأل غيرنا لما نحن في تيه و ضجر للعيش ، و العلة  هي فينا  لكننا نأبى التغيير و علاج أمراض القلوب بما يريحها بالإيمان و القناعة و مشاركة الغير أرزاقهم ليسعد الكل بالهناء و الطمأنينة ..

أفقت من تساؤلاتي الخفية بيني و بين نفسي و اختى أي صديقتي و إن كان أفضل تسمية الأخت أحسن من الصديقة لأنها الأقرب إلى قلبي  و هي  جالسة أمامي تشير إلي أني لست أركز مع حديثها حينما همت بسؤالي : لماذا يسحدونني ؟ فكان أن أفقت من شرودي و الذي لم يكن شرودا في حقيقة الأمر بقدر ما كان حوارا جادا مع نفسي اثر ما أخبرتني به صديقتي ، فكرت برهة من الزمن و أجبتها : يحسدونك لأنهم يشعرون بمركب النقص أمامك و الذي في حقيقته لا يكون حينما تكون التقوى تزين قلوبهم ، يحسدونك لأنهم فتحوا منافذ الشيطان ليفرق بينك و بينهم ، يحسدونك لأنهم لم يبلغوا مرتبة التفوق التي حباك الله بها و التي لم تأتي هكذا بسهولة بل جاءت بمثابرة منك و عمل حثيث ، و يحسدونك لأنهم يحبون الخير لنفسهم و فقط و هذا لن يتحقق لهم و حتى و إن تذوقوه فان تذوقهم لن يدوم لأنهم يناقضون شرع الله ، يحسدونك لأنهم حيارى في أنفسهم كيف يبلغون مرتبة النجاح مثلك ، فهم إنهم نسوا أو تناسوا أنهم لو قصدوك لتعلميهم كيف بلغت مرتبة التفوق فأبدا لن ترفضي لهم طلبا لأنك يقينا ستتقاسمين معهم الرزق و الفضل، و عليه أختاه اصبري و احتسبي و حصني نفسك بالقرآن و الأذكار صباحا و مساءا و لا تنامي إلا بذكر الله و الدعاء و الوضوء الطاهر لك ، و استيقظي على دعاء الحمد و الشكر و صلاة الفجر و ترتيل آيات كريمات من القرآن ، سيكون ذلك تحصينا لك و وقاية من عيون الحساد و شرارة أنفسهم المتعبة و كره قلوبهم المريضة و بالمرة اسألي الله لهم الهداية و البصيرة و التوبة النصوح ، لا تنسيهم من فيض إحسانك فذاك صد أكيد لشرهم و تأكدي انك ستنتصرين ما تمسكت بذلك ، و أكثري من فعل الخير و الاستغفار  و لا تبالي بهم و لا تشغلي تفكيرك  بكيدهم حتى لا يتمكن أذاهم منك ، لا تخافي أختاه و أكثري من قيام الله فذاك لك رحمة و طمأنينة بالقرب من الله عز وجل ..

يقول الطغرائي الحسين بن علي : 

جامل عدوك ما استطعت فانه

بالرفق يطمع في صلاح الفاسد

و احذر حسودك ما استطعت فانه

إن نمت عنه فليس عنك براقد

إن الحسود و إن أراك توددا

منه أضر من العدو الحاقد

و لربما رضي العدو إذا رأى

منك الجميل فصار غير معاند

و رضا الحسود زوال نعمتك التي

أوتيتها من طارف أو تالد

فاصبر على غيظ الحسود فناره 

ترمي حشاه بالعذاب الخالد

أو ما ٍرأيت النار تأكل نفسها

حتى تعود إلى الرماد الهامد

تضفو على المحسود نعمة ربه

و يذوب من كمد فؤاد الحاسد

 

و أختم لك يا أختاه : إني احبك في الله محبة تنسيك كيد الحاسد و غيض الكاره و كيد المنافق ، احبك في الله حبا يشعرك أن الدنيا لا زالت بخير و أن هناك قلوبا نمت و ترعرع نبضها على حب الخير للغير و تمني الرحمة للضعفاء و الغنى للفقراء..إني احبك في الله بأمانة الوفاء و جمال الصدق أن أبقى لك وفية ما حييت لأني أتطلع إلى ذاك اليوم الذي سيظلنا الله في ظله يوم  لا ظل إلا ظله الكريم..نعم احبك في الله...

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...