لماذا لا نستمتع بالعبادة ؟ 

لماذا لا نستمتع بالعبادة ؟ 

التصنيف: ركن الشباب
الاثنين، ١٣ صفر ١٤٤٠ هـ - ٢٢ تشرين الأول ٢٠١٨
650

خلق الله عز وجل الإنسان من بدن وروح ،

ولما كان البدن أرضيا سفليا = جعل الله عز وجل غذاءه من جنس ماخلق منه ، فلا ينمو إلا بالأغذية النافعة له من الأطعمة والأشربة

وأما الروح ، فلما كانت علوية سماوية -إذ هي نفخة من الله-

قال تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}=

كان غذاؤها سماويا علويا من جنس خلقها .

وهذا الغذاء هو: التقرب إلى الله، والأنس به ، والعكوف بالقلب عليه.

فمن رام السعادة بإشباع لذات بدنه وأهمل روحه = شقي وتألم .

قال تعالى: 

{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً}

فإن الحياة الطيبة لا تحصل إلا بالإيمان والعمل الصالح 

قال تعالى :

{مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ }

ولا يغرنك ما تراه من فرح ظاهر على وجوه الفساق والفجار ،

فإنه فرح مصنوع لا حقيقة له؛

ولهذا يفزعون إلى الخمور والمخدرات لتنسيهم آلام أرواحهم ، وتأوهات قلوبهم .

وكثير منهم لا يزال يعاوده الألم - مع غرقه في اللذات البدنية- حتى يتخلص من نفسه = فينتحر .

فإن أردت دليلا من القرآن فاقرأ قوله تعالى :

{فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ }

فإن قيل : إذا كان نعيم الروح كما ذكرت، فلماذا لا نلتذ بغذائها ،فنستروح للعبادة ونأنس بفعلها ونشتاق لتكرارها ؟ 

فالجواب :

أن الله سبحانه وتعالى جعل ارتباطا وثيقا بين البدن والروح، فإذا ثقل البدن بالغذاء والنفس بالشهوات = ثقلت الروح ، وصعب قيادها ، وأعرضت عن غذائها ، ومالت إلى الدعة والكسل ؛ 

ولهذا كان من بين أسرار الصيام خفة البدن بالامتناع عن الطعام والشراب ، ومنع النفس عن الشهوات ،

فتخف الروح وتسبح في ملكوتها ، فيجد المرء في الصيام انطلاقا إلى الأعلى ، وتسهل العبادات عليه ، والإقبال بالقلب إلى الرب عز وجل .

ولهذا المعنى -والله أعلم- كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواصل الصيام ويقول: " إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " .

والمراد- كما قرر ذلك ابن القيم رحمه الله- ما يفيضه الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم من لذة الأنس به، والشوق إليه ما يستغني به عن الطعام والشراب ،

فلما خف البدن بالبعد عن الغذاء والشهوات، وامتلأت الروح بمعرفة الله عز وجل = فاضت الروح على البدن ، وأثرت عليه فلم يعد بحاجة إلى طعام وشراب .

وكذلك بالعكس إذا ثقل البدن = ثقل غذاء الروح ، فبينهما تناسب كما ترى .

ولعله لأجل هذا أيضا كانت الملائكة لا تأكل ولا تشرب فتعبد الله لا تفتر عن عبادته ولا تسأم .

وأيضا مما ينبغي علمه أن أرض القلب إذا امتلأت بالشهوات = أعاقت بذرة الروح أن تخرج ، وإن خرجت كانت ضعيفة، كما أن الأرض إذا امتلأت بالحشائش لم يخرج زرعها مستقيما .

والخلاصة أنك إذا أردت نعيم روحك فطهر أرض قلبك ، واستعن على نعيم الروح بالصيام والذكر تشفَ نفسك ، وتسبح في ملكوت ربك .

والله يعيننا وإياكم على العمل بالعلم ، وأن يفهمنا عنه ويرزقنا لذة الأنس به والعمل له .

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...