راقبت في مشوار ثورتنا عشرات المشاريع التي نشأت وانطلقت بنية سليمة وهمة عالية وخطط كبيرة ومحفزة
فنجح منها العشرات وفشل المئات، ولو استعرضنا نقاط القوة في هذه المشاريع فستجدها مبشرة جدا
شباب متحمس، خبرات فنية جيدة، موارد مناسبة، وتقديم خدمات من خلال المشروع ضرورية وحيوية للناس، فتقول في نفسك هذه المؤسسة تملك كل ما تحتاجه لتنجح
ولكن وآخ من كلمة ولكن، ترى بعد فترة لا تزيد عن شهور إلى سنة بدأت المؤسسة تفشل وتتفكك
لتكتشف أن السبب الأساسي للفشل هو المشاكل النفسية للقائمين على المشروع
وأول هذه المشاكل وأكثرها تعقيدا هو مرض حب الزعامة والتسلط والهوس بالتحكم بالناس وقهرهم
وهذا المرض النفسي منتشر في البلاد القمعية المتخلفة وسببه الأساسي يبدأ مع التربية في الصغر ويستمر في ترسخه في النفس حتى الكبر
فترى الطفل يتم قمعه في صغره وحتى ضربه وتهديده من أن يتجاوز أي حد من الحدود التي اخترعها أهله ظلما وتكبرا بغطاء المصلحة والخوف عليه، ثم بعد ذلك يواجه نفس القمع من المدرس والمدرسة، ويستمر يواجه هذا في الحياة العادية من مديره وعمله وحتى من قبل أجهزة الدولة القمعية التي تحرمه أي مشاركة سياسية أو اجتماعية، وتمارس عليه الترهيب والتخويف لو تجرأ بالكلام أو النقد لأي ظلم أو خطأ يواجهه
فيكون ردة فعل هذا الشخص الطبيعية هو البحث عن أي منصب أو سلطة ولو صغيرة ليستطيع من خلالها ممارسة هذا القمع على غيره، حتى يقوم بالتفريغ النفسي لما هو مخزن في نفسه طوال حياته
وكما يقول المثل "كل إناء بما فيه ينضح"، والمقهور والمظلوم ممن هو أقوى منه سيمارس القهر والظلم على من هو أضعف منه، في سلسلة من القهر والظلم مؤلمة وقاسية تدمر المجتمع ومشاريعه
وللخروج من هذه الحلقة الجهنمية لابد من أن يقف الإنسان مع نفسه وقفة صادقة في العمق ليقوم بثلاثة ممارسات تخرجه من هذا المرض النفسي وهي وصفة قرآنية عميقة
قال تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ
فأول خطوة هي مسامحة الناس وخصوصا من مارس عليه القهر، وبدون هذه المسامحة التي تصفي القلب وتريحه لا يمكن الانتقال أبدا للمرحلة التالية من العلاج وهي الاستغفار أي طلب المغفرة من الله لمن ظلمك يوما وطغى عليك، وهذا قمة في الرقي والتحضر البشري تدرب الناس على إرادة الخير للناس سرا وعلانية، ليأتي بعدها الحل الأخير لهذه المشكلة وهو المشاورة والشورى
فأنت عندنا تشاور الناس وتسمع رأيهم ويسمعوا رأيك ثم تنزلون على رأي الشورى وتلتزمون به، ساعتها لن يبقى هناك قهر وإجبار وتسلط، بل رضا وتوافق، ويجب أن تكون هذه الشورى ملزمة لكل ما خلصت له من رأي، فيجب أن تطبقها وكأنها رأيك أنت ومشورتك، وليس كما يفعل بعض الناس اليوم فيرضى بالشورى أولا، ولكن عندما تكون نتيجتها مخالفة لما يريده ينشق عن المؤسسة ويقسمها، وينشئ مؤسسة أخرى ضرار أو يخرب السابقة ويفشلها
إن أي نجاح في الدنيا وهذا ما أثبته حتى بعض مدارس علم النفس الغربي، مرده هو لاستشعار العبد الإخلاص لله تعالى، وأنني أقوم بكل ما أقوم به في سبيل الله ومرضاة له، وبالتالي يجب أن أفيد الناس وأحسن لهم من أي موقع كنت فيه، لأن الهدف هو رضا الله وليس تحصيل المنصب والمكانة، وإلا كنت مشركا مع الله شيئا أخس وأدنى، وكنت في الأرض مختالا متفاخرا بالباطل
قال تعالى: ?وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ?
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


