القرآن مفزع أهل الإيمان إذا نزلت بهم المصائب والشدائد، واشتدت عليهم الخطوب والكروب؛ وذلك أن الله أنزله نورا وهدًى وتثبيتا ورحمة.
قال تعالى: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) [هود: 120].
وقال سبحانه: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الإسراء: 82].
وسورة آل عمران من أصول سور القرآن، نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في أحداث غزوة أحد وفي سياقها وملابساتها. وقد كان مصابه صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيها عظيما، وزُلزلوا فيها وبعدها زلزالا شديدا، وأُشيع قتلُه بأبي هو وأمي، فهاج الناس وماجوا واضطربوا، ونجمَ نجمُ النفاق حتى قال قائلهم: قُتل محمد فالحقوا بدينكم الأول.
فنزلت السورة تثبِّت قلوب المؤمنين وتسلِّيها وتربط عليها، فهذا أول امتحان في مواجهة المشركين وأصعبُه. ولن تخطئ عيناك في نصف السورة الأخير تنوُّعُ الآيات وتصريفها في تحقيق هذا الغرض، وجبرِ الكسر الحاصل بالهزيمة لتواصلَ الأجسادُ المنهَكة المتعبة مسيرة الجهاد والمواجهة.
وَقَفَني وأنا أتأمل السورة ما ذكره الله تعالى في مواضعَ منها من الوصية بالصبر والتقوى، جاء ذلك في أول الأحداث وخاتمتها، ثم خُتمت به السورة لينطبع في النفوس وتتمثَّله كلما حِيك مكر، أو كِيد كيدٌ، أو بَدَرَت بادرةُ فتنة أو ابتلاء.
قال تعالى في مستهل الحديث عن غزوة أحد: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [آل عمران: 120].
وقال سبحانه في خاتمته: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [آل عمران: 186].
ثم ختم السورة بقوله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران: 200].
الصبر والتقوى أقوى عُدَّة وأمضى سلاح يتسلح به أهل الإيمان.
والصبر الذي أمر الله به: هو علم العبد أن ما يصيبه إنما هو من عند الله تعالى؛ فيحبسُ نفسه عن التسخط والاعتراض على قضاء ربه، بقلبه ولسانه وجوارحه، ويتخذ ذلك عُدة في مدافعة عدوه، فتكون له العاقبة في الآخرة والأولى، (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) [التغابن: 11].
والتقوى: أن يتخذ العبد وقاية بينه وبين عذاب الله تعالى، وذلك بطاعته وامتثال أمره واجتناب نهيه. ولعمر الله لا تثبت القلوب ويتحقق النصر ويُدفع البلاء إلا بذلك. ومن ألِفت نفسُه الطاعة والإنابة أوقاتَ الرخاء جاءته مواكب الفرج تسعى عند نزول الشدائد. والجزاء من جنس العمل، ولا يظلم ربك أحدا.
وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بهما فقال: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُون) [النحل: 127-128].
ومن قبله قال على لسان يوسف عليه السلام: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف: 90].
وتأمل معي فيما حكاه الله على لسان موسى عليه السلام: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: 128].
ومعلوم ما لقي هؤلاء الأنبياء من أقوامهم من الشدة والبلاء، فكانت وصية الله لهم ووصيتهم لأقوامهم بلزوم الصبر والتقوى. والعاقبة للصابرين المتقين مهما اشتد الابتلاء وطال، واعتبر في هذا بما حكاه الله عن قوم موسى بعد أربعين سنة من وصيته السالفة لهم: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) [الأعراف: 137].
فيا أهلنا في غزة العزة، ويا أهلنا في الشام وفي كل بلد من بلاد الإسلام: اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله، فإن العاقبة لكم، ومتى استعان العبد بربه وتوكل عليه واستقام على أمره ونهيه فإن الله ناصره وجاعلٌ له فرجا ومخرجا ولو كاده أهل الأرض جميعا.
بسام بن خليل الصفدي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


