من القضايا التي يرفضها شرعنا الحنيف، وتتضافر على رفضها الفطر السليمة والعقول الصريحة مسألة الرضا بالظلم، أو الخنوع، أو الإهانة، وأن ذلك يتنافى مع مبدأ احترام كرامة الإنسان، ومن ذلك إنصافه، واحترام حقه الطبيعي في الحياه.
وقد أصبحت هذه حقيقة مقررة لا تقبل جدلا
أو مساومة، فتجد النص عليها واضحاً في قوانين وأدبيات الدول غير المسلمة، فما هو
الحال في عالمنا الاسلامي؟.
إن الاسلام دين العدل، والحق، واحترام
إنسانية الإنسان، وكرامته، ومع ذلك نجد بعض من ينتسب إلى أهل العلم ممن يسمون
بعلماء السلاطين من يسعى جاهداً لتبرير ظلم الحكام وإعطاء كل ما يصدر عنهم بعداً
شرعياً، وكأن الاسلام يشرعن كل تصرفاتهم، وإنها من الدين، بما يوحي بأن الاسلام
يقر الدونية والظلم والخنوع لأهواء الحاكم ونزواته، وهم يبررون ذلك إما بدعوى خشية
الفتنة، أو خشية الحاكم، أو كليهما، ولهذا أصبح الظلم محمياً بخاتم الشريعة الذي
يتوارثه جهلة المنتسبين الى العلم الشرعي.
ويستدلون على ذلك بما جاء في صحيح مسلم
في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (تسمع وتطع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ
مالك فاسمع وأطع) الحديث رقم 1847 في الامارة ، باب وجوب ملازمة جماعة
المسلمين.
وكأن هؤلاء العلماء - وأقصد علماء
السلطان - وبناء على هذا الحديث يعتقدون أن شؤون الحكم خاص للحاكم، يتصرف فيه كيف يشاء،
ولا يسأل عما يفعل، فلا ينكر عليه، ولا يراجع في كل ما يصدر عنه من قول أو فعل.
ولنا مع هذا الحديث وقفتان:
الوقفة الاولى مع سند
الحديث، والوقفة الثانية مع دلالته:
أما الوقفة الأولى: فإن
الإمام مسلم أورد هذا الحديث من طريقين مختلفين عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه
:
الطريق الاول متصل عن أبي ادريس
الخولاني عن حذيفة قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير
وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني......وفيه يسأل حذيفة: وهل بعد هذا الخير من
شر؟ فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم
إليها قذفوه فيها). فقلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: (هم قوم
من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا). قلت: يا رسول الله فما ترى إن أدركني
ذلك؟ قال: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) فقلت: فإن لم تكن لهم
جماعة ولا إمام؟ قال: (فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على
أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك(
وأما الرواية الاخرى (وإن
جلد ظهرك وأخذ مالك) فقد رويت بسند منقطع (مرسل) عن أبي سلام عن حذيفة، وفي
هذه الرواية المنقطعة زيادة ليست في المتصل (المسند).
قال الإمام النووي: قال الدار قطني: هذا
عندي مرسل (أي منقطع) لأن أبا سلام لم يسمع من حذيفة. انظر شرح النووي على مسلم
12/237. فالرواية المسندة صحيحة، لكن هذه الزيادة في الحديث المنقطع لا تصح.
أما الوقفة الثانية وهي
الدلالة فمن وجوه :
الأول: أن علماء الأمة وان
قالوا بالصبر على الإمام وظلمه إنما هو لحماية المجتمع من أن تثور فيه الفتنة
فتراق الدماء التي تكون أشد فسادا من ظلم الحاكم وجوره، مع التأكيد أن ظلم الحاكم
وفساده منكر ومرفوض شرعاً.
الثاني: أن الله تعالى أعطى
المظلوم حقاً يعلن فيه ظلمه، ويرفع به صوته بغية رفع الظلم عنه وإنصافه، يقول الله
تعالى: [لَا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلَّا
مَنْ ظُلِمَ] {النساء:148} .
الثالث: وجوب انكار ظلم
الحاكم وفجوره، وأن هذا يدخل تحت واجب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر قدر
الاستطاعة.
روي عن أم سلمة أم المؤمنين رضي الله
عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنه سيستعمل عليكم أمراء
فتعرفون وتنكرون فمن عرف فقد برئ ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع) رواه
مسلم والترمذي.
الرابع: ورد التحذير من الظلم
بكل أنواعه في كتاب الله في اكثر من(47) مرة من نحو قوله تعالى: [وَلَمَنِ
انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ]
{الشُّورى:41}.
الخامس: جاء النهي صريحاً عن
طاعة من لا تجوز طاعته في أحد عشر موضعاً في كتاب الله تعالى، كالمكذبين [فَلَا
تُطِعِ المُكَذِّبِينَ] {القلم:8}، والاثم الكفور في قوله: [فَاصْبِرْ
لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا]
{الإنسان:24}، والمسرفين في قوله [وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ المُسْرِفِينَ(151)
الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ(152) ].
السادس: إنه لا تعارض بين النهي
عن منازعة الأمر أهله، وقول الحق ورفع الظلم، فعن عبادة بن الصامت رضي
الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ولا تنازع الأمر أهله،
وأن تقول بالحق حيث كنت ، ولا تخاف في الله لومة لائم) متفق عليه.
وهذه الرواية (وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك) على
قول من يصححها، فإنما هي في حق الحاكم الذي أخطأ في حق واحد من الناس، فيحتمل
الظلم على نفسه في مقابل إحسان الحاكم للأمة كلها، لا أن يكون منهجاً في حكم
الأمة، بحيث يعبث في حقوقها، وأموالها كيف يشاء.
وعلى كل حال كيف لنا ان نعرض عن
هذا الحشد الكبير من الادلة في رفض الظلم والجور في القران والسنة ثم نتشبث برواية
منقطعة مرسلة في وجوب الصبر على الظلم والجور؟ إلا إذا حملت على رأي من يصححها على
أفراد الامة لا على مجموعها.
وبعد هذا نتساءل: لماذا
ينظر أبناؤنا إلى بلاد الغرب (الكافرة) على أنها بلاد العدل واحترام الحقوق، وهم
يعرّضون أنفسهم للموت في قوارب متهالكة في عرض البحار هرباً من عالمنا الذي يعج
بالفوضى وضياع الحقوق، فمن المسؤول؟.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


