لا تــكن هَــدَّامــاً

لا تــكن هَــدَّامــاً

التصنيف: ركن الشباب
الاثنين، ١٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ١٦ أيار ٢٠١٦
864

 

 

مع انفتاح العالم وسهولة الوصول والاتصال، وقيام الثَّورات في البلاد العربيَّة، استعلنت اتجاهاتٌ وتيَّاراتٌ وآراءٌ كانت محصورةً في نخبٍ وشرائح ثقافيَّةٍ خاصَّةٍ من المجتمعات العربيَّة، ما كانت لتنتشر أفكارها في الشُّعوب لولا استغلال أصحابها لمآزق المحن، وسهولة طرق الوصول إلى عقول النَّاس أو عواطفهم.

من مآزق المحن إلى فوضى الفكر والأخلاق 

في مآزق المحن يعجب كلُّ ذي رأيٍ برأيه، حتى إنَّ الجاهل ليرى نفسه أستاذًا للعلماء!

وفي مآزق المحن تتكاثر الآراء والاتجاهات يمنةً ويسرةً لتحمل إلى المجتمعات فوضى فكريَّةٍ عارمةٍ فيها من أشكال الغلو والإفراط أشدَّها، وفيها من ألوان الإجحاف والتَّفريط أقصاها.

رأينا من يعمد إلى بعض الأحكام الشَّرعيَّة فيُلزِم النَّاسَ بصورتها دون أن يقوم بأيّ من شروطها أو وسائلها، فإذا هي بيديه ميتةٌ لا روح فيها ولا حياة! تعاكس مقصد الشَّارع وتبغِّض النَّاس في الدِّين.

وسمعنا من يعمد إلى تلك الأحكام نفسها لينكر وجودها في دين الإسلام، أو يأوِّلها تأويلًا غريبًا مستكرهًا يكذِّبه التَّاريخ وتأباه اللُّغة، ضاربًا نصوص الشَّارع عرض الحائط، غير آبهٍ بموازين التَّصحيح والتَّضعيف للأحاديث الشَّريفة التي تواطأ عليها أئمَّة الفقه والدِّراية وحفاظ الحديث والرِّواية.

وصار كلُّ أحدٍ من هؤلاء وأولئك يتكلَّم في قتل المرتدِّ، ورجم الزَّاني، وإقامة الحدود في هذا العصر، وولاية الكافر، ورئاسة المرأة، والرق والسبايا، ويلقي ما يقوله في الفضاءات الافتراضية؛ ليتلقفه كلُّ النَّاس ممن يحسن الفهم وممن يسيئه !.

تذرَّع حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام بحكم قتل المرتدِّ، ليرموا بالشِّرك والكفر ردَّة كلِّ مخالفٍ لهم ممن لا يرى رأيهم، وتسلَّطوا على رقاب النَّاس بسلاحهم، وأقاموا حدودًا لم يقم مثلها في الإسلام قط!.

دعوة لتنظيف كتب الفقه بل دعوى !

فنهض من جانب آخر من زعم من المثقفين والدكاترة وجود الحاجة الملحة بل الضَّرورة لتنظيف كتب الفقه مما زعموه شينًا في دين الإسلام، ووافق ذلك أهواء كثيرٍ من شباب المسلمين وشاباتهم نشؤوا في بيئاتٍ تشرَّبت قيم الثَّقافة الغربيَّة فلم تعرف الإسلام بجملته، وإنَّما ورثت منه بعض شعائره.

ومع الأسف فإنَّ بعض ما يريد هؤلاء تنظيف كتب الفقه منه إنَّما هو من ثوابت الفقه لا من متغيراته، وهو من أصوله لا من فروعه.

الفقه الإسلامي قسمان من حيث الاجتهاد فيه 

وذلك أنَّ الفقه الإسلامي المدوَّن تنقسم مسائله إلى قسمين : 

القسم الأول :قسمٌ لا يسوغ الاجتهاد فيه : 

1- وذلك ما عُلم من دين الإسلام ضرورةً أو ثبت بالأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة التي عمل بها العلماء من غير نكيرٍ.

 كالصَّلوات المفروضة وكيفيَّتها، والزكوات الواجبة، والصَّوم، والحج ومناسكه، ووجوب الصدق والأمانة، وتحريم الكذب والظُّلم، وتحريم أكل أموال النَّاس بالباطل بالمعاملات المحرَّمة، وتحريم الفواحش، وتحريم إبداء المرأة زينتها، وتحريم شرب الخمر، وفرائض المواريث، والحدود المقدرة، وأمثال ذلك مما نُصَّ عليه واضحًا صريحًا في كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم مما تقوم به الحجَّة. 

فهذا لا يسع مسلمًا أن يناقش فيه قال تعالى: ?وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ? [الأحزاب:36]. 

2- ما ثبت حكمه بإجماع الصَّحابة رضي الله عنهم أو العلماء بعدهم قال تعالى: ?وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى? [النساء:115]. 

أمَّا التَّشويش على الإجماع فلا يفيد فاعله إجمالًا ولا تفصيلًا؛ لأنَّ قصارى الأمر أن يُذكر رأيُه المصادم للإجماع مع جملة الأقوال، أمَّا أن يُلغى لرأيه الرأيُ الـمُرجَّح بإجماع أو اتفاق الأمَّة عليه فهذا مخالف لبدائه العقول.

القسم الثاني : قسمٌ يسوغ الاجتهاد فيه :

وهي المسائل التي اختلف العلماء فيها على قولين أو أكثر، وهنا مجال الاجتهاد الرَّحب، ولكن مِن أهله في محله، والاجتهاد في هذا لا يُنقض بمثله، والفقهاء قديمًا وحديثًا يتناقشون فيما بينهم بالدَّلائل المعتبرة، ولم يستطع أمثال أبي جعفر المنصور ولا هارون الرَّشيد أن يحملوا الأمَّة على قولٍ فقهيٍّ واحدٍ يختارونه مما اختلف فيه، فكيف بمن بعدهم من الخلفاء والأئمَّة الذين لم يستطع واحدٌ منهم أن يحكم العالم الإسلاميَّ برمَّته ؟!!

وإذا جمد هذا القسم في العصور المتأخرة، فتَبِعَة ذلك الجمود يتحمَّلها البطَّالون الذين انقطعت سلاسل العلم لما وصلت إلى أيديهم، ويتحمَّلها أيضًا جهال معاصرون يستكبرون أن يقرؤوا صحيفةً صفراء ثمَّ لا يحسن واحدهم أن يخط سوادًا في بياض!! ولا يفتأ أن يسبَّ الكتب الصَّفراء لجهله بقراءتها ويشتم أهلها لاستحالة وصوله إلى مداركهم ، ثمَّ يرمي الفقه الإسلاميَّ ببهتانه. 

فأين هو المجال التَّطبيقي والأمثلة الصَّحيحة الواقعة للادعاء بأنَّ الفقه الإسلاميَّ هو فقه السَّلاطين؟ ومنهم من سماه (الفقه الإمبراطوري) ثمَّ الدَّعوة الجائرة بعد ذلك لتنظيف كتب الفقه؟!

صنفان مفسدان في الأمة 

القول (بتنظيف كتب الفقه) قد تدفع إليه عند بعض الأفاضل: الغيرة والحرقة على ما آل إليه أمر الأمَّة على يد صنفين من المفسدين: 

1- على أيدي المنافقين الوقحين من شيوخ الحكومات الحديثة، التي لم تقم على الدِّين أصلًا حتَّى تعتمد على الفقه الإسلاميِّ! والجميع يعلم أنَّ تلك الحكومات ما هي إلَّا أدوات قمعٍ للمسلمين يستعملها أعداؤهم، والجميع يعلم أنَّ ما يذكره شيوخها من أمور الدِّين والاستدلال بالنُّصوص القرآنيَّة أو النَّبويَّة أو الفقهيَّة؛ لتثبيت دعائم الحكم الجائر إنَّما هو للعبث بالبقيَّة الباقية من عقول من يصدقهم من رعاع المسلمين.

2- ثمَّ على أيدي صبيان حُدَثَاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البريَّة يمرقون من الدِّين كما يمرق السَّهم من الرَّميَّة. 

لكن الجميع يعلم أنَّهم يذكرون من الآيات والأحاديث أضعاف ما يذكرونه من كتب الفقهاء!

بل شيوخهم أسبق إلى نسف كتب الفقه ومذاهب الأئمَّة وعدها من البدع التي ابتلي المسلمون بها! 

بل يذكر عن بعض شيوخهم أنَّه سمى الأئمَّة الفقهاء الأربعة (الطَّواغيت الأربعة) فأيُّ فقهٍ يبني عليه هؤلاء؟

فما هي التَّبعة التي يحملها الفقه الإسلاميِّ جرَّاء سلوك الهمج؟

ثمَّ هل فهمت (الأجيال المعاصرة) الفقه الإسلاميَّ على حقيقته بدلائله وأدواره التَّاريخيَّة وكيف وصل إلينا قبل أن تُدْعَى إلى (تنظيفه)؟!

إنَّ العقليَّة التي يمشي بها دعاة (تنظيف الفقه) تجاوزها آخرون من دعاة (تنظيف السُّنة) لا يقصدون ترك الضَّعيف واعتماد الصَّحيح، بل يريدون تنظيفها مما لا يجاري عقولهم ولو كان مرويًا بسلاسل الذَّهب، وتجاوز ذلك آخرون ليخرجوا من دائرة الإسلام كلِّه بالدَّعوة إلى (الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه)! 

حديثٌ هدَّام وجريمة تلبس لبوس الإصلاح  

إنَّ الحديث عن (تنظيف الفقه) من بعض الأفاضل أمام الملأ الواسع ليسمع ذلك الملحد واللاديني والحداثي والجاهل والعامي والأُمي ومبغض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومبغض الصَّحابة رضي الله عنهم ومبغض العلماء العاملين، ثمَّ يتطاول هؤلاء لما ليس من شأوهم إنَّما هو (حديثٌ هدَّامٌ ). 

وقد مرَّ بالأمَّة قبلًا زلازل قد تكون أشدَّ مما نمرُّ فيه الآن من ناحية الفكر والثَّقافة والعقائد والأخلاق وإن لم يمر بها من ناحية سفك الدِّماء وخراب الدِّيار، فما سعى المسلمون إلى تخريب دينهم بأيديهم قبل أيدي أعدائهم.

إنَّ التَّذرع بالفوضى السِّياسية والفكريَّة التي ابتلينا بها؛ للدَّعوة بعدها إلى الفوضى الدِّينية باسم الثَّورة على الموروث: جريمةٌ تلبس لبوس الإصلاح ??فحذار منها. ???????

المصدر : مجلة الحميدية العدد الثالث

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...