أتعرفون أيها الإخوة مَقْصِد العلماء الذين ألَّفُواْ في أصول الفقه على طريقة المتكلمين، وهل تعرفون لماذا أدخلوا بعض المسائل الكلامية الشائكة في مباحث هذا العلم؟
لَقَدْ رَامَ هؤلاء مِن ذلكَ أكثرَ من مقصد، وإن كان دافعُهم الأساس هو تسييج الشريعة من الدخيل بقواعد استمدتْ قطعيتَها من مدارك العقل ومدارك اللغة والشرع المجمع عليها. ومن مقاصدهم أن يُجَنِّبوا طالبَ العلم الانزلاقَ عند ضعف الأمة، وتفاحش الجهل فيها:
كنتُ في لقاء علمي، وتَكَلَّم أحدُ الأساتذة بحماس في موضوع الإرث، وتَعَرَّض لمصطلح القطعيات، ونَقَل عن أحد الدعاة الذي أصبح برلمانيا فيما بَعْد: أنه لا بد من إعادة النظر في بعض القطعيات.
وأشهد أن هذا الأستاذ المتحدث دائم التردد على المسجد. فَرَحِمته وسكتتُ عنه، وليس من عادتي أن أسكتَ في مثل هذه المواقف.
ثم التقيتُه في يوم آخر وقلت له: أراك تُديم التردد إلى المسجد، وكلامُك في لقائنا الأخير يقلب عليك وعلى صلاتِك ومسجدِك الطاولة.
فقال لي: كيف؟ قلت له: إذا أَعَدْتَ النظر في قطعية واحدة انسحبتِ الإعادةُ على الجميع؛ لأن الشيء المقرر في العقول: أَلَّا ترجيح في القطعيات.
فالترجيح وإعادة النظر يكونان في المظنونات. أما القطعيات فَدَرَجتها من حيث العلم واحدة. فالطريق الذي ثبت به مضمون قولِه تعالى: "للذكر مثل حظ الانثيين"، هو نفس الطريق الذي ثبت به مضمون قوله تعالى: "وأقيموا الصلاة"، والآيتان من حيث هما يدخلهما التأويل، بل التأويل في قوله تعالى: "وأقيموا الصلاة" أظهر. ولكن القطع ثبت من طريق أخرى غير النظر اللغوي والأصولي، وَبِهَا ثبَتَ كلُّ قطعيات الدين، وهي التواتر في النقل والعمل والإجماع العام في الفهم.
أمَّا صاحبُه الذي هو مصدر هذه التُّرَّهات فإنه أفسدَ كثيرا من عقول الشباب المُتدينين. وليس عنده شهادة في العلوم الشرعية، ولا تَرَبَّى تربية العلماء. وإنَّما تَوَهَّمَ أن الدروس التي كان يتلقاها في الجلسات التربوية عند ما كان شابا تَشْفَعُ له في أن يتكلم في مثل هذه المواضيع الخطيرة.
ثُمَّ إنه عند ما دخل السياسة خَلَطَ العلم ب"الضغوط السياسة"، ولَمْ يَعْلَمْ أن الواقع المرير هو أن البنت المسكينة عند ما يُتَوفى أبوها أو أمُّها لا تَجِدُ إلاَّ جُهْدَها للحصول على نصيبها الذي فَرَضَه الله سبحانه لها، لأن الغالب أن النساء والرجال على السواء يتآمرون على محاولة حرمان البنت من الإرث لفائدة إخيها الذكر. وهذه العادة موجودة في البادية والمدينة على السواء، لأن "الجاهِلِيَّة" لا أَرْضَ لها. والله أعلم وأحكم.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


