يدخل الطفل وعمره 3 أو 4 سنوات إلى روضة الأطفال، أو يدخل وقد أكمل السنة السادسة من عمره إلى مدرسة ابتدائية، وكذلك البنات، ويتلقَّون دروساً عمليَّة ونظريَّة وتربية عصرية بعيدة عن روح الإسلام وقواعده، يحفظون بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في مدرسة ابتدائية دون أن تتجاوز الحناجر، ذلك لأنَّ المعلم غير مُؤمنٍ بما يُملي على الطلاب في موضوع دروس الدين إيماناً رَصيناً لا شائبة فيه، إنَّما يقوم بأداء واجب مُلْقًى على عَاتقه، ولا أنكر أنَّ هناك عدداً قليلاً جداً لا يعادل 1% جديراً بأن يُلقَّب بمعلم الدين، إلا أنَّ تأثيره ضئيل وضئيل جداً في محيط لا يتجاوب مع بقية الأعضاء.
فإذا جاء دور المتوسطة تدخَّل بقية المدرسين، مدرس الأحياء، مدرس الاجتماعيات، مدرس...الخ في الموضوع، وأخذ كلٌّ يشكِّك الطلاب في مُعْتقداتهم ويعزو التكوين هذا التكوين المعقد ودساتيره إلى الطبيعة العمياء، وأما مدرس الدين وهو على الأكثر جاهل بالعلوم الحديثة والمنازع المستحدثة وردودها، فلا يدرِّس في الأسبوع إلا درساً واحداً، وهو على الأكثر ممن ضَعُفت عقيدته وتغيَّر اتجاهه واختلف عمله عما يمليه على الطلاب في حقل الدين، فأنى لهذا الدرس الواحد على عِلاته (في موضوع الدين) خلال الأسبوع أن يقاوم تزويقات سائر المدرسين المضلة: (إنَّ الإسلام نظام كان يفيد لأناس كانوا يَعيشون قبل 14 قرناً، أما الآن فنحن بحاجة إلى نظامٍ مدني جديد، فالظروف تبدَّلت! فيجب أن تتبدَّل النظم فلا مجال لتطبيق نظام الإسلام!) أو: (إنَّ الدين كان يقنع العقول البدائيَّة، أما الآن وقد تقدَّم العلم، هذا العلم المحير للعقول فلا مجال للدين أن يُسَيِّر البشر، والعلم هو وحدَه كفيل بأن يسير البشر نحو الكمال وضروريات الحياة) (1).
إنَّ ضعفَ الدين في المدارس وفي أوساط أخرى أدَّى إلى انحلال خُلُقي وهذا بدوره أدَّى إلى انحلال فكري، ثم تَبَنِّي أفكار جديدة تتصادم مع حقيقة الإسلام.
ولا مراء أنَّ للمحاضرات الدينية أثرها المرموق في التوجيه لو حضرها الشباب إلا أنَّ الشباب في وادٍ آخر وهم يوجَّهون من قِبَل مُنظمات أخرى توجيهاً يؤكِّد لهم أنَّ هذه المجالس تبثُّ الخرافة والأفكار البالية، وهي بعيدة عن واقع الحياة ويؤكدون لهم، دليلاً على ذلك، أنَّه لا يُرى في هذه المجالس إلا العجزة والشيوخ يتسلَّون فيها بالتدخين وشرب الشاي، وهم أنفسهم ينتقلون من مجلس إلى آخر دون غيرهم من الشباب وكذا الحال في صلوات الجامعة في المساجد، حتى أني كنت أشعر بهذا الانطباع وأنا أدرس في الجامعة في استانبول.
على أنَّ لنوع الإلقاء وتطبيق العلوم الحديثة على الحقائق الإسلامية أثراً خاصاً في جلب الشباب إلى المحاضرات الدينيَّة، ولكن قلَّ من ترى في الخطباء من يجمع بين دراسات مختلفة موضوعية فيتكلم بأسلوب علمي رصين، وباصطلاحات حديثة مُستعملاً الدساتير الرياضيَّة.
فما الذي يجب أن نقومَ به لصدِّ هذا التيار اللاديني الجارف الذي دبَّ في الشرق منذ أكثر من 50 سنة والانحلال الخلقي المميت؟
هنا طريقتان طريقة غير عمليَّة، وبحاجة إلى تضحيات مَرموقة من قبل الأثرياء من المؤمنين، ولا أظنُّها تتحقَّق وطريقة أخرى قليلة النتاج، ولكن واجبة التطبيق ويجوز أن تؤتي أكلها يانعة مَوفورة لو طُبِّقت بمقياس واسع.
أما الأولى فهي: تأسيس جمعيَّة باسم جمعية التهذيب الديني، مُهمَّتُها جمع مَبالغ طائلة من أثرياء المسلمين وبناء أبنية عصريَّة تُتَّخذ مدارس للبنين والبنات، وفتح دور (مدارس) لتهيئة معلمين ومعلمات، وإيفاد قسم من الشباب المؤمن للتحصيل العالي إلى الغرب وتأسيس مدارس أهلية للبنين والبنات اعتباراً من الروضة إلى التحصيل العالي بمقياس واسع، وتحت مناهج لم تتأثَّر بمناهج المستعمرين والمبشرين (بالكنيسة).
ولا شك أنَّ هذا العمل سيخلقُ جواً مُفْعَماً بروح الإسلام، وشباباً عاملاً بدستور الإسلام، وتتأثَّر بلا شك بقية المدارس بهذا النهج القويم، فلا ترى إذ ذاك إلا مُؤمناً يُقدِّس الإسلام ويطبقه.
وأما الطريقة الثانية: فهي تنظيم نوادي للشبَّان في كل مَدينة أو قرية أو ناحية يداومون فيها أوقات فراغهم تُلقى عليهم فيها محاضرات دينيَّة يَستعمون ويطبقون آياته على واقع حياتهم فتشكل لجان مختلفة منهم، وتوزَّع أعمال وفعاليات على هذه اللجان فتبذل قسم من طاقتهم في العمل المنتج المفيد وهم مسؤولون عن تحقيق ما كُلِّفوا به من أعمال، وإنَّ كلَّ لجنة تقدم تقريراً عن فعالياتها، يصلون في هذه النوادي أوقات الصلاة، ويتعلَّمون فيها بعض الفروع الفقهيَّة الضروريَّة، ويتلقى الراغبون منهم دروساً في التفسير والفقه والأصول ثم هم يتصلون ببقية الشباب في البلد مُبشرين فيشوقونهم للانتماء إلى هذه النوادي الدينيَّة.
وهكذا تنظم نوادٍ من قبل المؤمنات من النساء المتعلمات للفتيات طالبات المدارس وغيرهنَّ بنفس الأسلوب وبنفس التنظيم.
ولا شك أنَّ هذه الفعاليات والتضحيات من قبل البنين والبنات لتؤثر في تلطيف الجو المكفهر بالاتجاهات المضِلَّة بعد تفهم حقيقة الإسلام، ودسائس الاستعمار وأذناب الاستعمار وما أعقبت الحروب الصليبيَّة من دسائس لم تنتهِ لحدِّ الآن.
وللشبَّان أوقات فراغ كثيرة يمكن أن تستنفد في توجيههم توجيهاً صحيحاً لو تمكنا من تحقيق راحة الشبَّان في هذه النوادي راحة تتفق والتربية الإسلاميَّة الحقَّة فتبذل قسم من طاقاتهم في صقع مفيد، فإنَّه إن لم تستغلَّ أوقات فراغ الشبان في أمور مفيدة موجهة توجيهاً صحيحاً، فهي تصرف لا محالة في تحطيم الشباب وتسافله إلى أسفل السافلين.
وينبغي أن يكون في هذه النوادي:
1 – محلٌّ خاص للصلاة والمواعظ الدينيَّة وتلاوة القرآن.
2 – مكتبة إسلامية للمطالعة وإعارة كتب إسلامية، مجلات إسلامية ونشرات إسلامية.
3 – صفوف خاصة لدراسات إسلاميَّة من تفسير القرآن الكريم، والفقه وأصول الفقه، وعلم الدراية والحديث، ومُقارنة بين حقائق الإسلام والفلسفات المعاصرة والمنازع الحديثة، وتطبيق آخر، ما وصل إليه العلم الحديث مع ما أودع الله تعالى من عصارات العلوم في القرآن الكريم ضمن آيات بينات.
4 – ساحة خاصة لبعض الرياضات البدنية التي تُنمي الجسم: (إنَّ لبدنك عليك حقاً) وعملاً بمنطوق هذه الآية الشريفة: [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ] {الأنفال:60} وإنَّ السبق والرماية وتعلمهما بابٌ من أبواب الفقه.
لا شك لو نُظِّمت هذه النوادي وأصبحت تُدار من قبل هيئة عُليا من كبار علماء الدين وكبار الموجهين وجب إذن فتح دورات (تدريسية وتدريبية) خاصَّة لموجهي هذه النوادي والقائمين بإداراتها، يتعلمون فيها طرق التنظيم والتوجيه والعلوم التي تؤهلهم للإشراف على هذه النوادي الموجهة توجيهاً دينياً يتفق مع حقيقة الإسلام وواقعه.
قد نرى أنَّ بعض الأثرياء من المؤمنين يشيدون مساجد كبيرة فلو أسسوا بجنب هذه المساجد نادياً دينياً للشبان لقاموا بخدمة جديدة بكل تقدير وعالجوا هذا الفراغ العقائدي.
فلابد من توجيه الأخيار من الأثرياء وتفهيمهم الوضع الراهن وأساليب الدعوة حسب مُقتضيات العصر الحاضر والأخذ بيد الشبان إلى ساحات التقوى والهداية وتنويرهم بنور الإسلام الوضَّاء، فإنَّهم مؤمنو المستقبل وحافظوا بيضة الإسلام.
ولقد رأيت بعض هؤلاء المؤمنين المخلصين – مع تقديري لهم ولإيمانهم – بعيدين كل البعد عما يحتمه الوضع الراهن من طرق التوجيه الديني وأساليب الدعوة، إما لأنَّهم لم يتدرَّجوا في دراسات حديثة ولم يحتكوا بالشباب ليعلموا مواطنَ الضعف فيهم، أو لأنهم قليلو التضحية في هذا المضمار، لا يهمهم مستقبل الإسلام والمسلمين، فترى بعض هؤلاء الأثرياء مع تقديري لهم، لا يروقُ لهم أن يجهزوا مساجد أسسوها بالكراسي والمناضد كمن يَستشكل أن يسمع كلامه بالمكبرات إلى كثير من الناس.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له أسلوبه الخاص في كل زمان حسب الظروف والعوامل المحيطة بالناس، فإنَّ الاستمرار على أسلوب من الدعوة لا يأتي بالنتيجة المطلوبة وترك أساليب أخرى لا تتنافى مع روح الشرع، وترك ملايين من الشباب المسلم دون موجه تغزوهم الدعايات المضلة فتخلق منهم أعداء للإسلام، إنما هو عمل لا يَتفق مع منطوق هذا الحديث: (من أصبحَ ولم يهتمَّ بأمور المسلمين فليس منهم) وعمل يخالف أمر الله تعالى: حيث يقول: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ] {التَّحريم:6}
فإنَّ الغرب يعمل منذ أكثر من 100 سنة بجدٍّ مُتواصل لأجل غزو الشباب المسلم وانتزاع عقيدته وجعله عدواً لدينه ومبادئه.
فقد سمعت قبل 28 سنة ممن كان قد أكمل دراسته في الجامعة الأمريكيَّة ببيروت سمعته يقول: (إنَّ بلاء الشرق دينه، وإنَّ هذا الدين – ويقصد به الإسلام – حجر عثرة دون تقدم الشرق ولا سبيل إلى التقدُّم إلا بنبذ الدين)
هذا قبل أن يتأثَّر الشرق بالمبادئ الشيوعيَّة، فلجامعات الأجانب في الشرق أثرها الملموس في تسرُّب الإلحاد والمبدأ المادي ومُعَاداة الدين ونبذه.
فيها أيها المسلمون: إنَّ الوضع الراهن ومعالجته يستدعي شيئاً من التضحية، فهل من مجيب؟!
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الساكتُ عن الحق شيطان أخرس).
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المصدر: (مجلة الأضواء، السنة الأولى، ذو الحجة 1380 - العددان 23 و 24) [بتصرف يسير].
(1) هذه الأفكار نتاج استعمار الغرب الفكري وفعاليات الكنيسة في أوروبا وأمريكا.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


