كن رجلاً في حبّك !

كن رجلاً في حبّك !

التصنيف: ركن الشباب
الثلاثاء، ١٨ رجب ١٤٣٤ هـ - ٢٨ أيار ٢٠١٣
997

 
إلى السيد م ..
إنني قرأت كتابك كله , لم أهمله كما خشيت , ولم ألق به , واستطعت أن أحرز عمرك , وميولك , وطبيعة نفسك , من غير أن تقول لي شيئاً من ذلك .
 
أنت شاب في مطلع الشباب , في السن التي تتيقظ فيها ( تلك ) العاطفة , وتقوى وتملأ النفس , حتى لا يفكر الشاب إلَّا بالمرأة , ولا يهتم إلَّا بها , ولا ينظر إلَّا إليها , وهذا العشق الذي تتوهمه , والذي سردت لي وصفه في كل ما حفظوك في المدرسة من شعر مجنون ليلى , ومجنون لبنى , وسائر المجانين - أعني الشعراء الغزليين - هو نتيجة لهذه المقدمات .
 
وهذه العاطفة كالبخار الذي يصعد من إبريق الماء المغلي , إن سددت عليه وحبسته مزق الإبريق , وإن رفعت الغطاء طار هباء في الهواء , وإن وصلته بمكبس ( بيستون ) سيَّر القاطرة , وأدار المعمل , فلا تستجب للعاطفة وتتبع الهوى , فتذهب قوتك هدراً , ولا تحبسها وتفكر فيها فتنقلب عليك وساوس وعللاً , ولكن تسَامَ بها إلى فن من الفنون , فاشتغل بالأدب أو الشعر , أو التصوير , أو الموسيقا أو الرياضة , فإنك تستريح من المرض الجنسي , وتمهد لنفسك طريق الخلود .
 
هذا رأيي الذي تسألنيه , وأقبل بعد ذلك على دروسك حتى تنال شهادتك , وتستقر في الحياة قدمك , وبعد ذلك فكر في الزواج ...
 
فإذا لم تحب أن تعمل به , وأصررت على الاتصال بهذه البنت , التي ملكت عليك لبك , وأخذت قلبك , وشغلت عقلك , وتركتك بلا قلب ولا عقل , فكن رجلاً في حبك , لا تكن لصاً يحاول أن يسرق نظرة من النافذة , وكلمة بالمناسبة , ثم يتدرج في طريق الشر , فمن بعد النظرة المجالسة , ومن بعد الكلمة المقابلة , ثم ينتهي الأمر إلى نهايته , لا يقف دونه شيء , كالصخرة التي تدحرجها من رأس الجبل , لا تستقر حتى تبلغ الوادي , كن رجلاً , واذهب إلى أبيها فقل له : إني أحب ابنتك , وأظن أنها تحبني , وأنا أريد أن تزوجني بها , أو دع أمك تذهب فتخطبها لك من أمها , هذا هو الباب , ولكن شباب هذه الأيام يتركون الأبواب , ويدخلون من النوافذ. وما أظن أن والد الفتاة تبلغ به الحماقة , أن يسمح لك أن تتصل بفتاته بالحب المحرم , حين بعث بها لتدرس معك في الكلية , ويمنعها أن تقترن بك بالزواج الحلال , وماذا عليك أن تتزوج رفيقتك في المدرسة ؟ أليس ذلك خيراً من أن تكونا زوجين بلا زواج ؟إنني أتمنى والله أن يتزوج كل طالب , وأؤكد أنه سيكون أقدر على الدرس , وأصفى له ذهناً , وأفرغ قلباً ...
 
وإلَّا فماذا يصنع الطلاب , إذا كان الله قد أشعل هذه العاطفة في نفوسهم , وهم في سن ست عشرة , وإذا كان نظام التعليم لا يوصلهم إلى الشهادة قبل العشرين ؟ ماذا يصنعون في هذه السنوات , وهي أشد سني العمر على الإنسان , وفيها تتوقد الشهوة وتضطرم وتحرق الأعصاب ؟
 
فيا أخي , اعمد إلى التسامي , واشغل نفسك عن هذه البنت بالرياضة أو بالفنون فإن لم تستطع فاخطبها إلى أبيها ...
هذا هو جوابي !
* علي الطنطاوي - مقالات في كلمات - طبعة دار المنارة ص ( 164 )

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...