إنني قرأت كتابك كله , لم أهمله كما خشيت , ولم ألق به , واستطعت أن أحرز عمرك , وميولك , وطبيعة نفسك , من غير أن تقول لي شيئاً من ذلك .
أنت شاب في مطلع الشباب , في السن التي تتيقظ فيها ( تلك ) العاطفة , وتقوى وتملأ النفس , حتى لا يفكر الشاب إلَّا بالمرأة , ولا يهتم إلَّا بها , ولا ينظر إلَّا إليها , وهذا العشق الذي تتوهمه , والذي سردت لي وصفه في كل ما حفظوك في المدرسة من شعر مجنون ليلى , ومجنون لبنى , وسائر المجانين - أعني الشعراء الغزليين - هو نتيجة لهذه المقدمات .
وهذه العاطفة كالبخار الذي يصعد من إبريق الماء المغلي , إن سددت عليه وحبسته مزق الإبريق , وإن رفعت الغطاء طار هباء في الهواء , وإن وصلته بمكبس ( بيستون ) سيَّر القاطرة , وأدار المعمل , فلا تستجب للعاطفة وتتبع الهوى , فتذهب قوتك هدراً , ولا تحبسها وتفكر فيها فتنقلب عليك وساوس وعللاً , ولكن تسَامَ بها إلى فن من الفنون , فاشتغل بالأدب أو الشعر , أو التصوير , أو الموسيقا أو الرياضة , فإنك تستريح من المرض الجنسي , وتمهد لنفسك طريق الخلود .
هذا رأيي الذي تسألنيه , وأقبل بعد ذلك على دروسك حتى تنال شهادتك , وتستقر في الحياة قدمك , وبعد ذلك فكر في الزواج ...
فإذا لم تحب أن تعمل به , وأصررت على الاتصال بهذه البنت , التي ملكت عليك لبك , وأخذت قلبك , وشغلت عقلك , وتركتك بلا قلب ولا عقل , فكن رجلاً في حبك , لا تكن لصاً يحاول أن يسرق نظرة من النافذة , وكلمة بالمناسبة , ثم يتدرج في طريق الشر , فمن بعد النظرة المجالسة , ومن بعد الكلمة المقابلة , ثم ينتهي الأمر إلى نهايته , لا يقف دونه شيء , كالصخرة التي تدحرجها من رأس الجبل , لا تستقر حتى تبلغ الوادي , كن رجلاً , واذهب إلى أبيها فقل له : إني أحب ابنتك , وأظن أنها تحبني , وأنا أريد أن تزوجني بها , أو دع أمك تذهب فتخطبها لك من أمها , هذا هو الباب , ولكن شباب هذه الأيام يتركون الأبواب , ويدخلون من النوافذ. وما أظن أن والد الفتاة تبلغ به الحماقة , أن يسمح لك أن تتصل بفتاته بالحب المحرم , حين بعث بها لتدرس معك في الكلية , ويمنعها أن تقترن بك بالزواج الحلال , وماذا عليك أن تتزوج رفيقتك في المدرسة ؟ أليس ذلك خيراً من أن تكونا زوجين بلا زواج ؟إنني أتمنى والله أن يتزوج كل طالب , وأؤكد أنه سيكون أقدر على الدرس , وأصفى له ذهناً , وأفرغ قلباً ...
وإلَّا فماذا يصنع الطلاب , إذا كان الله قد أشعل هذه العاطفة في نفوسهم , وهم في سن ست عشرة , وإذا كان نظام التعليم لا يوصلهم إلى الشهادة قبل العشرين ؟ ماذا يصنعون في هذه السنوات , وهي أشد سني العمر على الإنسان , وفيها تتوقد الشهوة وتضطرم وتحرق الأعصاب ؟
فيا أخي , اعمد إلى التسامي , واشغل نفسك عن هذه البنت بالرياضة أو بالفنون فإن لم تستطع فاخطبها إلى أبيها ...
هذا هو جوابي !
* علي الطنطاوي - مقالات في كلمات - طبعة دار المنارة ص ( 164 )
تنويه:
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين