كأيّ قادمٍ جديدٍ حاولت استكشاف المكان الذي سيكون موطني الجديد في دراستي وحياتي الجامعيّة، قرأت كلّ اللوحات التعريفيّة المُثبتة على أبواب الغرف والقاعات التي تداعى عليها الزَّمن فغدت تصلحُ أن تكون متحفًا أكثرَ من كونِها قاعات دراسيّة.
لفتَت نظري لوحةٌ على غرفةٍ مقابلةٍ تمامًا لغرفةٍ نائب العميد مكتوب على لوحتها التعريفية (رئيس الدّائرة)، وقد حارَ الفكرُ في فهم معنى هذا المسمّى الوظيفيّ لأعلم بعد ذلك أنّ هذه الحيرة أمرٌ طبيعيّ، فلو اجتمعَ أساتذة أصول الفقه في الكليّة منذ تأسيسها إلى اليوم لما استطاعوا تحرير هذا المفهوم غير المفهوم، ولو تضافرت جهود علماء الكليّة جميعهم لما وصلوا إلى توصيفٍ إداريٍّ معقولٍ لهذا الاسم الهلاميّ.
باختصارٍ فإنَّ المقصود بهذا المنصب شيءٌ لا علاقة له مطلقًا بالهيكليّة الإداريّة للكليّة، بل هو توصيفٌ أمنيٌّ بحت، ورئيس الدائرة هو وكيل الطّاغية وأجهزته الأمنيّة في الكليّة، وهو الرئيسُ الفعليّ والمحرّك الحقيقي، وصاحب القرار النافذ، والمؤثّر الأكبر في الكليّة، فهي ميدانه وفيها صولاتُه وجولاته التي لا يردعه عنها رادع.
وكان رئيس الدائرة في سنوات دراستي كائنٌ يسمّى نصر تيشوري، نصيريٌّ بغيض، لا يتبادرُ إلى ذهنك عند رؤية وجهه الا الاستعاذة بالله من الشيطان الرّجيم، ولا أحسبه إلّا نطفةً تسربّت من نسلِ نمرود، وهو رجسٌ من عمل الشّيطانِ ولم يكن بالإمكان اجتنابه، إذا ابتسمَ رأيتَ وجهه بقطرُ سمًّا زعافًا فكيفَ لو عبسَ؛ وكان لا يُرى إلّا عابسًا، عتلٌّ زنيم، فظٌّ غليظ، تستعيذُ منه إن أقبل وتدعو عليه إن أدبر.
وكانَ هذا التيشوريّ هو الحاكمُ المتصرّفُ في الكليّة، ولم نكن ـ نحنُ الطلاب ـ بحاجةٍ إلى كثير جهدٍ لمعرفة ذلك، فكلّما زارَ القاعةَ عميدُ الكليّة الذي كان يومها د. محمد فاروق العكّام كان لا بدّ أن يكون معه نوّابه وعدد من مرافقيه، وكان رئيس الدائرة العنصر الأساسيّ معهم حيثما جالوا وتنقّلوا، وكان الجميعُ يحاول إظهار مدى التّبجيل والاحترام الذي يكنّونه له، لكن من السهل جدًّا التفريق بين التّبجيل وبين الرّعب الذي كان يقطر من أعينهم.
وفي أحد الأيّام وأنا في السّنة الاولى كان لزامًا عليّ أن أدخل عليه ليختم بحافره الميمون على إحدى الأوراق الرّسميّة، وطرقتُ الباب فَدفعتُه داخلًا؛ لأجده قد وضع رأسه على كتفِ فتاةٍ تشبهه في الشيطنة والفجور والانحلال والإفساد، وما إن رآني حتّى انتفضَ واقفًا وبدأ يوبّخني على فعلتي الشّنيعة!!!!
ثمّ ألقى عليّ درسًا في آدابِ الاستئذان، وضرورة أن لا أدفع البابَ حتّى أسمع نباحه من داخلِ الغرفة بالإذن لي بالدّخول، وأنّه ينبغي علينا ـ نحن طلّاب الشريعة ـ أن نتعلّم أحكام الدّخول، ولقد صدقَ في هذه وهوَ الكذّابُ الأشِر، فوالله ما كان له ولا لأسياده أن يكونوا ولا أن يسودوا ولا أن يبقَوا في طغيانِهم لو أنَّنا طبّقنا قاعدةَ الدّخولِ القرآنيّة التي قال الله تعالى فيها: (ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ * وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)
#ذكريات_كلية_الشريعة
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


