عبد المجيد البيانوني
عضو رابطة العلماء السوريين
أحدثت زيارة الحبيب السيّد علي الجفري للمسجد الأقصى ضجّة كبيرة ، وكثر القيل والكلام حولها ، وأكثره مُنتقِد معترِض .. ودافع آخرون بعاطفة وتبرير ..
والحقّ أنّ هذه القضيّة دقيقة مشتبهة ، الحكم فيها ليس له صفة الوضوح والقطع ، ولذا فإنّ الفتوى فيها لا يفصل فيها نصّ واحد ، يتحدّث عن حالة فرديّة خاصّة ، لا صلة لها بالشأن العامّ ، الذي له علاقاته المتداخلة المتشابكة ، الواسعة الشاملة ، وله ملابساته المؤثّرة ، كما لا ينبغي أن يؤخذ فيه برأي الفرد مهما علا شأنه ، أو كان مبلغه من العلم . ويمكننا أن نفهم هذه العلاقات ونحلّلها كما يلي :
ـ الحكم الشرعيّ للزيارة ، وأثره في هذه القضيّة .
ـ واقع المؤمنين القريبين المعنيّين بهذا الصراع ، وما يحقّق أهدافهم ، ويشدّ عزائمهم ، ويدخل في باب نصرتهم ، وموقفهم من زيارة الأقصى في هذه الظروف .
ـ موقف الأعداء ودوافعهم وأهدافهم .
ـ صدى هذا الفعل عالميّاً ، وفهم عامّة الناس له ؛ سواء أكانوا موالين للأعداء متعاطفين معهم ، أو متعاطفين مع الأصدقاء ، مؤيّدين لحقّهم .
وأحبّ أن أحصر حديثي في هذه المقالة من خلال هذه النقاط السالفة :
ـ ينبغي التمييز أوّلاً بين حكم الأمر الذي له صفة فرديّة بحتة ، سواء أكان بالنظر إليه بذاته ، أو بالنظر إلى فاعله ، وبين الأمر الذي له بعد اجتماعيّ ، أو مجتمعيّ ، أو الأمر الذي له بعد إقليميّ أو عالميّ ، وبمعنى أدقّ : له بعد سياسيّ وحضاريّ .. فما بالك إذا كان الأمر يتعلّق بأخطر صراع تواجهه الأمّة عقديّاً وحضاريّاً .؟! فمثل هذا الأمر لا يصحّ بحال من الأحوال أن ينظر إليه ، أو يؤخذ بصفته الفرديّة ، بعيداً عن محيطه الاجتماعيّ والعالميّ .
وتأسيساً على ما تقدّم ؛ فإنّ زيارة المسجد الأقصى لا ينظر إليها من خلال حديث : ( لا تشدّ الرحال .. ) ، الذي يرغّب بشدّ الرحال إليه ، والصلاة فيه .. فحسب ، ومن نظر إليها كذلك كان كمن دعي إلى الصلاة في مسجد ، أرضه مغصوبة ، فصلّى فيه بدعوى الحرص على نيل فضائل السعي إلى المساجد وإحيائها وعمارتها ، ولم يلتفت إلى الملابسات التي تحيط بهذا المسجد ، وتوجب مراعاتها ، فكيف إذا كان المغتصِب عدوّاً لدوداً لهذا المصلّي ، وهو يريد أن يتّخذ من صلاته حجّة تبرّر اغتصابه وعدوانه .؟! وكيف إذا كان الصراع مع هذا المغتصِب صراع مبادئ وقيم ، وعقيدة وحضارة ، وليس صراع حدود وحجارة ..
إنّ حكم شدّ الرحال لزيارة المسجد الأقصى لا بدّ أن تتوفّر شروط مشروعيّته واستحبابه ، وأن تنتفي موانع ذلك ، فلا حجّة لمن تمسّك بهذا الأصل وأغضى عمّا يشترط فيه ، وما يمنع منه .. وذلك لا يخفى على كلّ طالب علم حصيف ..
وانظر إلى موقف عثمان ذي النورين رضي الله عنه يوم صلح الحديبية ، وتدبّره ببصيرة ، إذ عرض عليه المشركون أن يطوف بالبيت ، وقد جاء يفاوضهم بأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وكأنّهم كانوا ينصبون له مطبّاً شائكاً فيما عرضوا عليه ، فأقسم رضي الله عنه أنّه لن يطوف بالبيت حتّى يطوف به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، والبيت العتيق على مرمى بصره ، والشوق في قلبه لا شكّ في توقّده .. وهل يقاس الشوق إلى المسجد الأقصى بالشوق إلى البيت العتيق .؟!
وهذا الخليفة الراشد ، المهديّ الملهم ، عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ : " لَسْتُ بالخِبِّ ، ولا الخِبُّ يَخْدَعُنِي"، أي لَسْتُ بالمَاكِرِ المُخَادِعِ ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَخْدَعَهُ المَاكِرُ المُرَاوِغُ ، فالمُسْلِمُ كَيِّسٌ فَطِنٌ ، وَاعٍ لِمَا حَوْلَه ، مُدْرِكٌ لأبعاد ما يعرض عليه .
ويَقُولُ عنه المغيرة بن شعبة رضِيَ اللهُ عَنْهُ : " كَانَ وَالله أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَخْدَعَ ، وَأَعْقَلَ مِنْ أَنْ يُخْدَعَ " ([1]) .
ومن مشكاة هذا الوعي الرشيد كان موقف العالم القاضي ، محيي الدين بن الزكيّ عندما دعي للخطبة والصلاة في المسجد الأقصى ، وهو تحت الاحتلال الصليبيّ قبل أن يحرّر بقليل ، فقال : " لا ، والله لا أخطب ولا أصلّي في المسجد الأقصى قبل أن نحرّره من أيدي الصليبيّين " .
فالمؤمن الحقّ له مشروعه وأهدافه ، ولا يمكن أن يستجرّ لخندق المَاكِرِين المُخَادِعِين ، مهما زيّنوا الباطل ولبّسوا .. ( ودُّوا لو تُدهِنُ فيُدهِنُونَ ) ، ( فاصبر ـ على طريق الحقّ وأهدافك ـ إنّ وَعدَ الله حَقٌّ ، ولا يَستَخِفَّنَّكَ الذينَ لا يُوقِنُونَ ) ..
ـ إنّ هذا الأمر أوّل من يستشار فيه وأولى من يستفتى أهل الدار ، فهم أدرى الناس بما فيها ، ومن فيها ، وصحيح أنّ قضيّة فلسطين ، والمسجد الأقصى هي قضيّة المسلمين كافّة ، وهي في عنق كلّ مسلم ، ولكنّ العلماء والدعاة من أهلها الأقربين هم أعلم الناس بمجريات الأمور ، وظواهر الصراع وخوافيه ، وهم الذين يعانون المأساة بكلّ أبعادها ، ويعيشونها في الليل والنهار ، لحظة بعد لحظة ؛ فكيف يتقدّم عليهم أحد .؟! وهم المرابطون المصابرون ، أهل الدار المكابدون .؟! ألا يُستأذنون في الدخول عليهم وزيارتهم .؟!
ـ وتأسيساً على هذه النقطة فإنّ فتوى " رابـطـة عـلـمـاء فـلـسـطـيـن " في هذا الأمر هي القول الفصل ، فكيف وقد أيّدتها فتاوى عامّة العلماء والدعاة في العالم الإسلاميّ ، ووثّقتها مواقفهم .؟!
ـ لا يستطيع أن يماري أحد أنّ هذه الزيارة سياسيّة مسيّسة ، لُبّست في جانب منها لبوس الدين ، لاستغلال عاطفة دينيّة حاضرة في قلب كلّ مؤمن .. فكلّ ظروفها ، وملابساتها ، وإجراءاتها ، ومراحلها تؤكّد ذلك ، وتدلّ عليه ، ويكفي للشكّ فيها ورفضها أنّها جاءت بمبادرة من العدوّ المغتصب ، أو بموافقته وتشجيعه ، ولا يخفّف ذلك ولا يلغيه قضيّة التأشيرة على الجواز ، فتلك قضيّة شكليّة ، ربّما يحصل عليها كلّ من أرادها .. بل ذلك ممّا يؤكّد الريبة ويثبتها ..
كما لا يستطيع أحد أن يواري ذلك كلّه تحت غلالة شفّافة من حكم شرعيّ ، لا يتجاوز حدّ الندب والاستحباب ، وأحكام المنع تحيط به من جوانبه ..
ولعلّنا لا ننسى موقف الشيخ محمّد العريفيّ عندما أراد أن يزور الأقصى بمبادرته ، وأعلن ذلك ، وضجّ الناس .. بين مؤيّد ومستنكر ومستغرب .. وجاء الجواب الإسرائيليّ القاطع بأنّه غير مرغوب فيه ، ولو حضر لاعتقل .!
وكيف لا تكون هذه الزيارة سياسيّة مُسيّسة .؟! وهي تحت حراب الظلم والاغتصاب ، وفي موكب التطبيع ، الذي ترفضه الأمّة من أدناها إلى أقصاها .؟!
وقد حسمت منظّمة التعاون الإسلاميّ قضيّة الزيارة بأنّها تتبع موقف كلّ عضو من أعضائها ، بمعنى أنّ من كان من الأنظمة مُطبّعاً فزيارة شعبه ورعاياه طبيعيّة ، ولا مانع منها ، ومن كان من الأنظمة يقف موقف المقاومة ورفض التطبيع ، فتلك الزيارة جريمة يحاسب عليها ، ويؤاخذ بها .. ومع ذلك فكلّنا يعرف موقف أحرار مصر ، وهي بلد التطبيع الأوّل ، كيف يرفضون الزيارة ويمنعونها ..
فهل بعد هذا التسييس من تسييس .؟! وهل وضح الصبح لذي عينين ..
وأخيراً ؛ متى أيّها العقلاء الحكماء نثوب إلى تفكير بعقل الأمّة الجمعيّ ، وفتوى تمثّل عقل الأمّة الجمعيّ ، وحركة تواكب حركة الأمّة ، وخطواتها الراشدة .. فعقل الأمّة الجمعيّ عصمة لها من الزيغ والضلال ، وتيه المسالك العوجاء ، ولا نظنّ اجتهاد الفرد في قضايا الأمّة مهما بلغ من العلم والفهم ، أن يكون مسدّداً راشداً ..
ألم نكتف بعد من التشرذم والشتات .؟! ألم نكتف من فرديّة الاجتهاد في قضايا الأمّة العامّة .؟! إنّ الأمّة كلّها تقول بلسان فطرتها الإسلاميّة المشبوبة : " لسنا مع تصوُّف ولا تسلُّف ، ولا غيرهما إذا كان يَشقُّ صفَّ الأمّة ، ويُفرِّقُ كلمتَها ، ويُشيعُ البلبلةَ بين خاصّتها وعامّتها ، ويصرف أنظارها عمّا يحيق بها .. ونَربأُ بكلّ رمز من رموز المسلمين أيّاً كان موقعه أن يستجرّ إلى موقف يوهين العزائم ، ويضعف المقاومة المشروعة لاستعادة حقوق الأمّة المغتصبة ، وعلى رأسها فلسطين السليبة ، والمسجد الأقصى الأسير .. " .
ومرّة أخرى أقول بكلّ أسف : تقع الأمّة ضحيّة تفرّق ولاة أمرها من العلماء والدعاة ، في شؤون عامّة ، ما كان لهم أن تتفرّق كلمتهم فيها .. فينفذ إليهم أعداؤهم ، ويحقّقون بتفرّقهم أهدافهم ..
نسأل الله تبارك وتعالى أن يلهمنا رشدنا ، ويعيذنا من شرور أنفسنا ، وكيد أعدائنا ، ويجعلنا من المهديّين الراشدين ، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه ، وصلّى الله وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، والحمد لله ربّ العالمين .
([1]) ـ سراج الملوك (1 / 55) .