الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
معالي ممثل الحكومة التركية الأستاذ محمد نوري، دولة نائب رئيس الجمهورية العراقية الأستاذ طارق الهاشمي . ، معالي د. عبد الله التركي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي أصحاب الفضيلة العلماء ، أصحاب المعالي الوزراء ، الإخوة الدعاة قادة الحركات الإسلامية .
الإخوة والأخوات ضيوف المؤتمر حفظكم الله تعالى .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، ومرحباً بكم، وشكراً لحضوركم وبعد:
نسأل الله سبحانه الرحمة للشهداء والشفاء للجرحى والفرج عن المعتقلين ، والعودة الحميدة للمهاجرين ، واللطف بالأيامى والثكالى واليتامى ، ونسأله سبحانه أن يكتب النصر المؤزر للثورة السورية المباركة وبعد:
أيها الإخوة الأحباب ، أيتها الأخوات الكريمات :
يأتي انعقاد هذا المؤتمر المهم انطلاقاً من قوله سبحانه :[وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ] {المؤمنون:52} .ومن قوله صلى الله عليه وسلم : (مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمَّى والسهر).
أيها السادة: لقد كان هتاف شعبنا السوري في إحدى جمعه ( خذلنا العرب والمسلمون) ، وإنه بحقّ شعار مؤلم ومحزن ، هتف به شعبنا من الأعماق ، وقد رأى نفسه وحيداً أعزل أمام آلة القتل والذبح والتدمير التي يمارسها نظام بشار الأسد ، إنه نظام قاتل لم يرع في هذا الشعب إلاَّ ولا ذمة ، ولم يصن دماً ولا عرضاً ولا مالاً (أكثر من مئة ألف من الشهداء والجرحى والأرامل والأيتام ، وعشرات الألوف من البيوت المدمرة والمحروقة ، وثلاثة ملايين لاجئ داخل سوريا وخارجها).
وحق لهذا الشعب أن يتألم ، لأنه يرى أن هذا النظام المتوحش يجد من يسنده ويمده بأسباب البقاء ، ويدعمه بالمال والسلاح والرجال ، ويجد دولاً تسانده في الظاهر وفي الباطن ، كإيران ، وروسيا ، والصين ، ومنظمات طائفية مجاورة كأولئك الذين يسمّون أنفسهم كذباً (حزب الله) ،ومليشيات مقتدى الصدر وحزب الدعوة العراقي.
بل إن هذا النظام يجد الدعم وبشكل ماكر من النظام الدولي ، بالتنسيق مع إسرائيل ، وعبر المنظمات الدولية التي تعطيه الفرصة تلو الفرصة ليمعن في القتل والذبح، بشكل لم يعرف له التاريخ مثيلاً ولن يعرف ، بل إنه ينتظره حتى يحسم المعركة لصالحه، وضد الشعب السوري الأعزل، الذي يثور دفاعاً عن حريته وكرامته، وحقه في الحياة الحرة الكريمة.
وفي مقابل ذلك لا يجد الشعب السوري الكريم المدد إلا من الله وحده وحسب ذلك ولا شك وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً قد كان شعاره المعلن : يا الله ما لنا غيرك يا الله، وكان عنوان الجمعة الأخيرة : (واثقون بنصر الله).
أطمئنكم أيها الإخوة الكرام أن هذا الشعب سينتصر بإذن الله ، سينتصر بإيمانه ويقينه واستعانته بربه ، وتوكله على مولاه (الله أكبر) هتافه ، والمسجد منطلقه ، والجمعة موعده ، والتوحيد عقيدته ، والشهادة في سبيل الله عشقه ، واسترداد الحرية والكرامة والعدالة هدفه، ومقاومة الظلم والطائفية سبيله ، منذ ستة عشر شهراً وشعبنا لا يكل ولا يمل ، يضحي بالغالي والرخيص ، ويقول صادقاً : (الموت و لا المذلة).
أيها الحفل الكريم:
إن أبرز خصائص الثورة السورية تتمثل في ثلاثة أمور : إنها ثورة معجزة ، كاشفة، فاضحة ، كما هي بعض أسماء سورة التوبة.
1 ـ إنها ثورة معجزة: بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، إذ لم يكن في تصور أحد أن تقوم ثورة في سورية بعد حكم استبدادي ديكتاتوري شمولي طائفي دام قرابة نصف قرن ، ملك كل مفاصل الحكم ، وسيطر على كل وسائل القوة... ثم كانت المفاجأة المذهلة حين قامت هذه الثورة بإرادة الله الغالبة ، ومشيئته النافذة وتدبيره المحكم ، بحيث لا يستطيع حزب، ولا جماعة ، ولا هيئة، أن تزعم أنها كانت وراء هذه الثورة ، أو أنها خططت لها... وإذا كان البعض يتساءل : لماذا تأخر النصر في سورية؟ أقول : إن الله سبحانه يجري سنته التي لا معقِّب لها والمتمثلة بقوله جل شأنه :[... وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ] {محمد:4} . وقوله سبحانه: [أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ] {البقرة:214} .
يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى في تفسير هذه الأية : مستهم البأساء في أنفسهم، وأصابتهم الضراء في أموالهم ، وأصابتهم الزلزلة في عقيدتهم ، وهذا هو حال الشعب السوري اليوم تماماً ، يشاء الله بحكمته أن يصنع هذا الشعب على عينه ليعده للنصر بإذنه ، وليحمل رسالة النصر بعد ذلك إن شاء الله .
2 ـ والخاصة الثانية لهذه الثورة : أنها كاشفة : فقد كشفت معدَن الشعب السوري الأصيل ، كشفت أن لديه مخزوناً كبيراً من الإيمان واليقين ، والثقة المطلقة بالله ، والإيمان بالقضاء والقدر ، جعله يثبت ويصمد، ويضحي ويبذل الغالي والرخيص في سبيل الله ، كشفت عن تمسك هذا الشعب بوحدته وحرصه على استقلال بلده ، ورفضه الانجرار وراء الاقتتال الطائفي أو الحرب الأهلية ، التي حاول النظام الطائفي أن يجرّه إليها ، ولكن شعبنا رفض ذلكوبإصرار ، وجعل شعاره من الأيام الأولى : (واحد ، واحد ، الشعب السوري واحد).
3 ـ وإنها لثورة فاضحة: فقد فضحت حكم العصابة المجرمة في ادعائها الوطنية حينما أعلن أحد أركان هذه العصابة رامي مخلوف : أن أمن سوريا من أمن إسرائيل ، واستقرار سوريا من استقرار إسرائيل، ليستعدي العالم الغربي على شعبه! وليستعطف الدول الغربية لدعمه من أجل أمن إسرائيل، وكذلك يفعلون...
ـ فضحت الثورة السورية هذا النظام في أكذوبته الزائفة بأنه نظام المقاومة والممانعة، حين سحب كل الجيش السوري من الجبهة لينشر آلة القتل والدمار في كل حي ، وكل قرية، وكل مدينة ، يقتل شعبه ، ويدمّر مدنه ، ويهدم مساجده ، ويحرق الأخضر واليابس ، علماً أن هذا النظام وخلال خمسين سنة لم يطلق رصاصة واحدة تجاه العدو الإسرائيلي ، رغم عدوانه المتكرر على سوريا.
ـ كما فضحت هذه الثورة نظام البعث في شعاراته الكاذبة ( الوحدة والحرية والاشتراكية) فالوحدة عنده هي وحدته مع إيران وجنودها من الميليشيات الطائفية المسلحة ضد أمته العربية.
ـ و الحرية عنده كذلك هي حرية الفساد ، وحرية الاستبداد ، وحرية القتل ، وإذا أراد شعب سورية أن يتظاهر سلمياً ليطالب بحقوقه الأساسية في الحرية والعدالة والكرامة يكون نصيبُه القتل والحرق والتدمير ، والاعتقال والتشريد .
ـ والاشتراكية عنده كذلك: أن يسلب اللقمة من أفواه الجائعين ويسرق الأموال ، ويجمع الثروات ، ليعيش عمال سورية وفلاحوها ، ومعظم أبناء الشعب تحت خط الفقر ، بموجب التقارير الاقتصادية الدولية.
لكنَّ أهمَّ فضيحة لهذا النظام والتي كشفتها هذه الثورة هي أنها كشفت عن المخطط الإيراني المجرم في نشر المذهب، وتوسيع النفوذ، وتحقيق الحلم الأمبراطوري الاستعماري القديم على حساب أهل السنة والجماعة.
وفي الختام : أرجوكم أيها الإخوة وباسم هذا المؤتمر الحاشد الذي يمثل الأمة الإسلامية ، أن توجهوا رسائل قوية للدول الداعمة للنظام، وبخاصة إيران وروسيا والصين ، ليحسبوا حسابهم جيداً، وليقدِّروا حجم الثمن الباهظ الذي سيدفعونه مستقبلاً ، نتيجة دعمهم للنظام المتوحش القاتل في سورية ومده بالمال والسلاح والرجال ليقتل شعبنا في سورية ، ثم ليدركوا جيداً أن سورية هي قلب بلاد الشام المباركة ، وقلب العالم العربي ، وقلب العالم الإسلامي ، والاعتداء عليها إنما هو عدوان على الأمة الإسلامية في كل مكان.
أيها الحفل الكريم ، أشكركم مرة أخرى على حضوركم وأبلغكم تحيات الشيخين الجليلين والداعيتين الكبيرين ، الأستاذ عصام عطار ، والشيخ يوسف القرضاوي وأبلغكم اعتذارهما عن الحضور ، الأستاذ العطار بسب وضعه الصحي عافاه الله، والقرضاوي بسبب وفاة زوجته رحمها الله تعالى .
شكراً لكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.