الجمعة، ٤ ربيع الأول ١٤٣٣ هـ - ٢٧ كانون الثاني ٢٠١٢
3229
التوازن بين الدين والدنيا
الشيخ مجد مكي
من أبرز مظاهر الوسطية والتوازن في رسالة الإسلام : التوازن بين الدين والدنيا وبين الروحية والمادية.
فالإسلام وسط في النظرة إلى الحياة الدنيا بين الذين اعتبروا هذه الدنيا هي كل شيء : هي البداية والنهاية :[وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ] {الأنعام:29} . وهذه النزعة المادية جديرةٌ بأن تولِّد الترف والطغيان والغرور والاستكبار ، والتكالب على متاع الدنيا.
فأرسل الله على جنته حُسْباناً من السماء ، وصواعق محسوبة مقدَّرة جزاء كفره، فأصبحت صعيداً زلقاً ، لا يجفُّ ترابها ، ولا ينبت مرعاها ، ولا تثبت القدم عليها ، وأصبح ماؤها غائراً في أعماق الأرض.
وهذا فرعون الذي قال :[ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ] {الزُّخرف:51} . وغير هؤلاء من الأمم التي أترفت في الحياة فقتلها الترف ، ودمَّرها التحلل ، وحقَّ عليها كلمة العذاب ، وحرمت نصر الله وعونه: [حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ(64) لَا تَجْأَرُوا اليَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ(65) قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ(66) ]. {المؤمنون}.
وفي الطرف المقابل وجد آخرون نظروا إلى الدنيا نظرة احتقار وعداوةٍ ، فحرَّموا على أنفسهم طيِّباتِ الدنيا وزينتها ، ولم يقوموا بعمارتها ، واكتشاف ما أودع الله فيها.
وبين هاتين النزعتين قام الإسلام ، يدعو إلى التوسط والتوازن والاعتدال ، فصحَّح مفهوم الناس عن حقيقة الإنسان ، وعن حقيقة الحياة.
حقيقة الإنسان:
فالإنسانُ مخلوقٌ مزدوج الطبيعة ، يقوم كيانه على قبضة من طين الأرض ، ونفخة من روح الله ، وقد أشار القرآن إلى هذه الطبيعة المزدوجة في خلق آدم أبي البشر، فقال تعالى [إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ(71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ(72) ]. {ص}. وأشار القرآن إلى هذه الطبيعة أيضاً في خلق ذريِّة آدم حيث قال :[وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ(7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ(8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ(9) ]. {السجدة}.
ومن حكمته سبحانه: أن خلق الإنسان على هذه الطبيعة ، فهو بعنصره الطيني قادرٌ على أن يسعى في الأرض ، ويمشي في مناكبها ، ويكشف عن مكنوناتها ، ويعمل على تعميرها ، ويُسخِّر قواها ـ بإذن الله ـ لمنفعته، وهو بعنصره الروحي مهيأ للتحليق في أُفق أعلى ، والتطلع إلى عالم أرقى ، وإلى حياة هي خيرٌ وأبقى.
وبهذا يُسخِّر المادة ولا تُسخِّره، ويستخدم ما على الأرض من خيراتٍ وثروات دون أن تستخدمه ونستعبده.
حقيقة الحياة الدنيا:
والحياة ليست سجناً عُوقب الإنسان به ، ولا عبئاً فُرض عليه ، إنما هي نعمة يجب أن تُشكر ، ورسالة يجب أن تؤدَّى ، ومزرعة لحياة هي خير وأبقى ، والقرآن الكريم يدعو إلى العمل للحياة ، والاستمتاع بطيباتها بجوار الحثِّ على الاستعداد للآخرة ، والتزوُّد ليوم الحساب ، يقول سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ(87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ(88) ]. {المائدة} .
ويقول تعالى :[هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ] {الملك:15} .
ويذكر القرآن أنَّ السعادة والحياة الطيبة في الدنيا من مثوبة الله لعباده المؤمنين، فيقول :[فَآَتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآَخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ] {آل عمران:148} .
ويُعلِّم المؤمنين هذا الدعاء الجامع بين الحياتين وحَسَنتي الدارين :[ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ] {البقرة:201} .
والرسول صلى الله عليه وسلم كان يأكل من طيبات هذه الحياة ، ولكن لم يجعلها شغل نفسه ، ومحور تفكيره ، وكان من دعائه فيما يرويه الترمذي(3424) عن ابن عمر : «اللهمَّ لا تجعل الدنيا أكبر همِّنا ، ولا مبلغ علمنا».
وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم أيضاً فيما يرويه مسلم(4897):« اللهمَّ أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي ، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي ، واجعل الحياة زيادةً لي في كل خير ، واجعل الموت راحةً لي من كل شر».
وكان صلى الله عليه وسلم حريصاً على توجيه أصحابه إلى التوازن بين دينهم ودنياهم ، ولما رأى في بعض أصحابه إفراطاً في التعبُّد على حساب جسمه وأهله قال له : « إنَّ لبدنك عليك حقاً ، وإن لزورك ـ لضيوفك ـ عليك حقاً ، وإنَّ لزوجك عليك حقاً ، فأعط كلّ ذي حق حقه»رواه البخاري (1838)من حديث عبد الله بن عمرو.
وقال للجماعة الذين التزم أحدُهم أن يصوم فلا يُفطر ، والتزم الثاني أن يقوم فلا ينام ، والتزم الثالث أن يعتزل النساء فلا يتزوج أبداً:« أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له ، ولكني أصوم وأفطر ، وأقوم وأنام ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني»رواه البخاري (4675)، ومسلم (2487) من حديث أنس بن مالك.
وهكذا تعلَّم الصحابة : أن يوازنوا بين مطالب دنياهم وآخرتهم ، وأن يعملوا للدنيا ويعملوا للآخرة ، ولم يشعروا بالوحدة والانسجام والامتزاج ، كانوا يعتقدون أنهم في عبادتهم ومساجدهم ليسوا مقطوعين عن الدنيا ، كما أنهم في مزارعهم ومتاجرهم غير بعيدين عن الدين فأعمالهم عبادة إذا التزمت فيها حدود الله عز وجل وصحت فيها النية.
***
تنويه:
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين