كلمات بلون الثلج: (من لا يرحم لا يُرحم)

كلمات بلون الثلج: (من لا يرحم لا يُرحم)

التصنيف: ركن الشباب
الثلاثاء، ١٥ شوال ١٤٤٠ هـ - ١٨ حزيران ٢٠١٩
806

يوما بعد يوم تكشف الحضارة المادية عن زيفها ، وفقدانها لأهم شروط الاستمرار والبقاء ، بعد أن جردت أبناءها من المشاعر الإنسانية وأوهنت الروابط الاجتماعية ، و جعلت المادة والربح والخسارة مقاييسها [ فقد جاء في تحقيق استغرق ست سنوات قامت به لجنة فرعية بمجلس النواب الأمريكي ، أن أكثر من مليون مسن ومسنة تتجاوز أعمارهم الخامسة و الستين يتعرضون لإساءات خطيرة! !فيضربون ويعذبون عذابا جسديا و نفسيا ، و تسرق أموالهم من قبل أهلهم ؟!

كما أن هذه الإساءات ليست مقتصرة على طبقة اجتماعية معينة ، بل تحدث في كل طبقات المجتمع الغنية والفقيرة على حد سواء ، وفي المدن الكبيرة والصغيرة والقرى !].

ومن المدهش حقا أن هذه الإساءات لها جذور عميقة في تلك المجتمعات فالذي يساء إليهم – اليوم – لم يكونوا أحسن معاملة لغيرهم! تقول الدكتورة (سوزان ستايمنتر)أستاذة الدراسات الفردية و العائلية بجامعة (ديلاوير) : [ اعتدنا طوال تاريخنا على الإساءة للمسنين ، ويمكن للمرء أن يجد حالات كثيرة في سجلات المحاكم في القرنين السابع عشر و الثامن عشر . إننا نميل للعنف البدني ، و قد أصبح هذا جزءا ثابتا من طبيعة عائلات كثيرة تسيء بالعنف للمسنين و الأطفال].

ويقول ربنا عز وجل في كتابه الحكيم ، دالا ومربيا ومرشدا (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه و بالوالدين إحسانا ، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ، فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ، وقل لهما قولا كريما ، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ).

وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مسلم : رغم أنف ، ثم رغم أنف ، ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر ، أحدهما أو كليهما ، ولم يدخل الجنة ). و هذا الإحسان إليهما في حياتهما ، و هو إحسان لا ينقطع بموتهما ، فقد روى أبو داود أن رجلا من بني سلمة قال : يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال : (نعم ، الصلاة عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما من بعدهما ، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ، وإكرام صديقهما ) ، وهو إحسان يتعدى إلى كل من تقد مت به السن فقد رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم – الشباب بإكرام الشيوخ وأنهم سيلقون في شيخوختهم من يكرمهم ، جزاء لما قدموه في شبابهم !! وهذه الرحمة تتجاوز الطاعنين من المسلمين لتشمل كل من أقعده العجز وبلغ الشيخوخة ، فقد رأى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في السوق شيخا كبيرا يسأل الصدقة فقال له : ما أنت يا شيخ ؟ قال أنا شيخ كبير ، أسأل الجزية والنفقة وكان يهوديا من سكان المدينة . فقال عمر : ما أنصفناك ، يا شيخ . أخذنا منك الجزية شابا ، ثم ضيعناك شيخا ! فمضى به إلى بيته ليعطيه طعاما ، ثم أرسل إلى خازن بيت المال يقول: افرض لهذا وأمثاله ما يغنيه ، ويغني عياله !..

في حضارة الإسلام لا تشمل الرحمة الأقارب فحسب ، و لكنها تشمل الأبعدين أيضا ، وتعم حتى المخالفين في الدين ، لأنها حضارة تحترم إنسانية الإنسان .

وفي حضارة الزيف والطين جفت ينابيع الرحمة ، فلم تعد القسوة مقتصرة على المخالفين في الدين فحسب ، و لا على الأبعدين فحسب . ولكنها امتدت لتشمل الأبوين والأقربين ، وهم في سن أكثر ما يكونون حاجة إلى الرحمة ! وشتان ما بين حضارتين !!

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...