كفى لعبا... من يحمي الأكثرية في سورية؟!

كفى لعبا... من يحمي الأكثرية في سورية؟!

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الاثنين، ١٩ جمادى الآخرة ١٤٣٤ هـ - ٢٩ نيسان ٢٠١٣
979

 
 
 
د. خالد حسن هنداوي
 
 
بعد أكثر من عامين على همجية آلة القمع الأسدية التي أحرقت الأخضر واليابس في معظم سورية استجابة للمحتل الصهيوني وأعداء العروبة والاسلام لم يعد الحديث عن فكرة حماية الشعب المذبوح ذا جدوى فالذي يراد منه أن يكون الحامي هو هو الحرامي الذي لا يدخر جهدا مهما كان نوعه وتحت أي ذريعة كي يسرق وينهب ويحرز مصالحه الدنيئة على حساب حقوق الناس ودمائهم، ويجب أن لا ندس رؤوسنا في التراب إخفاء لهذه الحقيقة وتدسيم بعض ما عرض ويعرض علينا من أفكار بل وألاعيب من خصوم الشرق والغرب ناسين قول عمر رضي الله عنه: لست بالخب ولا الخب يخدعني، فكل ذلك يطحطحنا ويدعثرنا كي نصبح أيادي سبأ، وإن من جملة أهم هذه البروق الخلبية ما نحاول أن نقنع به أنفسنا أننا كثرة ولابد للأكثرين أن يغلبوا الأقلين في النهاية سيما أن الشاعر قال:وإنما العزة للكاثر، وننسى أونتناسى أن مجرد لعبة الكثرة في الحلبة من دون قوة السماء وقوة الأرض الرادعة يلغيها ما حذرنا الله منه كما في غزوة حنين [إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم من الله شيئا] (التوبة:25) وأن الفهم السوي هو ما يعلمنا أن القلة الممتنعة بالقوة المادية أو المعنوية أو بهما هي الغالبة في الحياة بظواهر السنن الكونية في الزمكان على الوجه الراجح وإذ وجد الاستعمار والصهيونية المتلونان منذ القرن الماضي من يكونون جنودا أوفياء لهما في هذا المجال دون أن تبقى جيوشهما في بلادنا فقد عملا على تمكينهم نيابة عنهما لنعرف حقا أن المعضلة بالمستبد أخطر حتى من المحتل وهو ما أحسسناه زمن زين العابدين في تونس ومبارك في مصر والقذافي بليبيا وصالح في اليمن ولا زال الأسد في الشام ندعكه ويدعكنا حتى يرحل الاستبداد الذي هو أشد من الاحتلال حتما فإن المستعمر لم يشن ما شنه ويقوم به السفاح من غارات ودمار ومجازر تشيب لهولها الولدان ولا مجيب ولا حامي أبدا في البلاد العربية والاسلامية فكيف ببقية العالم أجمع وإن ما يلهى به شعبنا مما لا يسمن ولا يغني من جوع في الداخل والمهجر إنما هو مجرد مسكنات لذر الرماد في العيون وستر السقوط الأخلاقي المريع الذي مني به المجتمع الدولي أمام هذه الثورة الفاضحة الكاشفة أكاذيبه وألاعيبه حيال بلدنا المكلوم وإن المخلصين من العلماء والمفكرين والساسة يعرفون جيدا أن من أنبل العظائم في هذه الثورة أنها تجاوزت كل الحساسيات المفترضة في نسيج شعبنا العظيم وخصوصا مسألة الأقليات حيث تناغمت معها كما هي تماما عبر التاريخ المديد فكانت "الجمعة العظيمة" عن المسيحيين و"جمعة صالح العلي" عن العلويين إلى أن وصلت الجمعة السابقة إلى عنوان "حماية الأكثرية" أي الطائفة السنية المكون الأساسي في البلاد لتعلم القاصي والداني أنه في عهد حافظ القاتل أمس وبشار الجزار اليوم لم تكن البتة دولة وطنية بل سلطة وطغيان وعصابة تطييف عائلية أقلوية، وإن الذي تم اللعب به على وتر المواطنة ما كان إلا لتحقيق مصالحهم الضيقة ونحن كسوريين يعرف الصغير منا قبل الكبير كيف دام التمييز الدنيئ الفاضح في كل مرافق الحياة على هذا الأساس مع طائفة المنافع بل الايديولوجيا معها، وطبعا فقد قرب من أهل السنة من تماهى معهم ولو في الحكومة تزييفا ولعبا على الشعب، ولكن بدلا من أن تستغل هذه الأقلية بشيئ من الفهم دين الأكثرية وعروبتها ألغت اسم المذهب من جوازات السفر وتحالفت مع ايران ضد العراق وهي تدعي نصرة القومية العربية مع أنها منها براء، وبحجة الممانعة والمقاومة سلمت الجولان للصهاينة وقتلت من العرب اللبنانيين المسلمين والمسيحيين ونكلت في تل الزعتر وسواه بالفلسطينيين ونسائهم بشنائع فظيعة وذلك خلال وصايتها على لبنان مدة ثلاثة عقود، وانحاز معها الحزب القومي السوري اللبناني المؤيد للأقليات وذو الشعارات الفارغة من محتواها وقد قاتل ضد الثوار الآن مع جنود حزب نصر الله المصطف مع الظالم ضد المظلوم ورفع بندقية ولاية الفقيه في إيران، فيا للعجب من هذه المقاومة العلمانية القميئة والفارسية الحاقدة التي فضحت بتصريح أحد كبارها أن سورية هي المحافظة الخامسة والثلاثون في إيران وأنه لا ايران بغير سورية، وإننا نتذكر منذ كنا شبابا وعقد القاتل حافظ أسد مع ايران تحالفا استراتيجيا أنه سيكون وارء الأكمة ما وراءها من خطر داهم مستقبلا وهو ما نراه اليوم.
 
وإننا نقول للعرب في هذا الصدد ما قاله الباحث رضوان السيد: إن بقاء المشرق العربي مرهون بانتصار الثورة السورية أو قد لا نرى عربا وعروبة بعد ذلك. وإن فكرة الانفصال عن العروبة إنما حدثت هزتها بانفصال سورية عن مصر على يد ضباط من الأقليات عام 1961م ثم الانفصال عن العروبة والاسلام في الثامن مارس عام1963 لمعاداة الأكثرية العربية السنية وليصبح حافظ بعدها عام 1970 الرئيس غير السني المسؤول عنها وعن حماية الأقليات المسيحية والعلوية والدرزية والكردية كما زعم، ولكنه وعصابته استأثروا بالحكم في الداخل ولم يسعوا أبدا لتحرير الجولان ولا كذلك ابنه وعصابته رغم الشعارات الدعائية وأنى للشركاء أن يتخاصموا؟ وبقيت هذه الطغمة من القلة تظلم وتقهر الكثرة الكاثرة على كل صعيد وكانت السيدة أمريكا تعمل على تعديل سلوكها في النظام لا تغييره كما تفعل اليوم تماما وتبيع الحمقى وبعض من ينسبون إلى السياسة كلاما معسولا، كما ظل الأب والابن ضمن لعبتها على تحالف مع روسيا في عهديها السوفيتي والاتحادي، إن المهم لدى اسرائيل وأمريكا وايران وروسيا ليس إلا إلغاء الهوية السورية الوطنية الدينية وخصوصا من الأكثرية ولو أدى إلى الدخول في مشاريع التقسيم التي تحفظ عبيدها المستبدين، وبذلك يكون السعي لجعل الأكثرية أقلية، ولا ننسى في هذا الصدد ماذا كان يقال للسجناء من الأكثرية من قبل الأقلية العلوية: أنتم أكثر منا بكثير ولكننا سوف نجعل الألف منكم واحدا، وهكذا يعملون اليوم بسلاح الدم والسجن والتشريد والتدمير لبنى سورية التحتية وإرجاعها كما كانت فرنسا تريد أن تبقى دمشق وحلب كيانين ثم يجري التقسيم، ولكنها لم تفلح وقت ذاك لتناقضات عشائرية معروفة ووجود التمسك القوي بالدين وظهور جهاد وجهود رجال عظماء حالوا دون المؤامرة، وإن ثورتنا المجيدة ستفوت مكر الجميع بعون الله وتعتمد على النفس والخبرة وإسناد الدول العربية التي التقى أمس وزير الخارجية الأمريكي كيري بوفد منها للتباحث حول القضية، فهل سيعي الجميع المؤامرة على الأكثرية ويتحدثون عن ضمانات حقوقها لا الأقلية فقط التي يطالب الغرب وغيره بضمانات حمايتها، إن مسلمي سورية ليسوا بحاجة إلى دروس في حماية الأقليات فقد عاشوا معهم قرونا مديدة وها هم أحفادهم يعيشون دون أذى يذكر إلا ما كان شاذا، ولينظر أصحاب القرار اليوم من تقصف أحياؤهم على رؤوسهم ويذبح أطفالهم كالدجاج والنعاج بالسكاكين كما حدث في المجازر وكان آخرها مجزرة جديدة عرطوز الفضل بريف دمشق وكما يعتدى على النساء دون دين أو ضمير ويحاصر الناس ويحرقون ويموتون جوعا ويشردون في الداخل والمهجر، إنهم وحدهم أبناء الطائفة الأكثرية، فمن يجرؤ على تقديم ضمانات حقيقية لهم كما يتساءل الباحث مجاهد مأمون ديرانية، وأقول: إن المجرمين قد استعملوا السلاح الكيماوي منذ عام 2007 فقتل في مصنع حول مدينة حماه خمسة عشر شخصا بغاز الخردل، فكيف لا يستعملونه اليوم في حلب وحمص ودرعا وداريا وهم هاربون! ومن يحمي في الداخل السوري أكثر من أربعة ملايين نازح وفي الخارج أكثر من مليون ونصف، ومن يحمي أكثر من مائة وخمسين ألف معتقل من التعذيب والسلخ أحياء وخصوصا النساء الست آلاف، واها لهن، ومن يقيم المنطقة العازلة والحظر الجوي حماية للمدنيين وتثبيتا لأعمال الحكومة المؤقتة في المناطق المحررة ومن يوقف هذا التدمير الخطير ويفوت على المحتل والمستبد أهدافهما ومن يحمي الثوار ويوفر لهم الذخيرة الكافية والسلاح النوعي غير مبال بغضب المجرمين الأسديين والصهاينة وايران وروسيا والغرب، ومن يبذل الدعم المالي الكافي بحق لاستيعاب كل ما تتطلبه المأساة من غذاء وكساء ودواء وتعليم، نعم إن التربية والتعليم في مصيبة كبرى اليوم وكم سررت حين حضرت مؤتمر الهيئة السورية للتربية والتعليم في القاهرة بتاريخ 20/4 2013 حيث جرت فعاليات جادة بورش مهمة نظمها المتخصصون وحث العلماء والمفكرون على دعمها، فكانت حصيلة التبرعات لهذا المشروع حوالي ستة ملايين دولار، نسأل الله أن يجزي المحسنين خير الجزاء ويضاعف العقوبة على الظالمين الجهلاء الذين يقصفون المدارس والجامعات والجوامع ويحرمون أطفالنا وجيلنا التربية والتعليم، لا ريب أن المصاب جلل وإن كل من يعمل لحماية الانسان هو إنسان حقا وإن كل من يتقاعس عن خدمته أو يتآمر عليه وهو يستطيع إنقاذه فليس من الإنسانية في شيء، وهو والجزار وزبانيته وشركاؤهم في الإجرام سواء.    

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...