من أكثر القصص التي أثرت بي وأنا صغيرة، قصة ذلك الرجل الذي كلما اشتهى شيئاً وضع ثمنه في حصالة، ونحن كلما اشتهينا شيئاً اشتريناه...
وأما هو فجمع مالاً وبنى جامعاً سماه "كأني أكلت" ومازال الناس يؤمونه ويصلون فيه ويحكون قصته، وأما نحن فخسرنا أموالنا وجنينا السمنة وتراجعت صحتنا...
وإني أنظر اليوم لموائدنا فأراها عامرة بأصناف الطعام المتنوعة الكثيرة، وأرى الناس يبالغون في الطبخ ويتكارمون بوليمة فاخرة إذا جاءهم ضيف واحد، ويأكلون فوق حاجتهم ثم يشكون من السمنة، ويذهبون للأطباء لعلاجها!؟ وأذكر مرة أني كنت أقدم الحلوى فيها لضيفة لأمي، فرفضت أخذها فلما جئت لألح عليها قالت: "أكلها في لحظات وتبقى شحوماً على بطني خمسة أعوام"! لقد لخصت الفكرة في كلمات، ما زلت أذكرها من سنوات، حتى أني اقتنعت بكلامها وكففت عن إغرائها.
والمحزن في القضية أنهم يستهترون بما يزيد من الطعام فيرمونه مع القمامة!؟ وإذا كانت هذه البقايا الثمينة لا تعني أي شيء -لبعض الناس- فإنها عند الله عظيمة، وسوف تحفظ غيرهم من الموت، وتقيهم من سوء التغذية
لقد ظننت -وأنا صغيرة- أن قصة جامع "كأني أكلت" قصة رمزية، وأنهم يقولونها لنا لنعتبر ونتعظ، وإذا بها حقيقة ماثلة في تركيا! فانظروا ماذا فعلت أموال رجل واحد امتنع فقط عن أكل ما يحب... فماذا تصنع أموال أمة لو تأست به؟!
هذه القضية: وليت الناس يطبخون مقدار ما يستهلكون، ويشترون من الأطعمة الجاهزة الضارة ما يمكنهم أكله فقط، ويتبرعون بهذه الأموال القليلة (التي كانوا يحولونها طعاماً ثم يرمونها وهي ساخنة ومشهية ولذيذة...)
وأنا اليوم لن أدعو الناس لبناء جامع، وإنما أدعوهم للمساهمة في إعادة بناء الإنسان (بهذه الأموال الضائعة) بناء عقله وفكره وعلمه وشخصيته، وترميم جسمه وحمايته من الإعاقة والأمراض المزمنة، ورجائي أن يتبرعوا بالمال للمحتاجين والفقراء والمكلومين والجرحى والمصابين... وأن يتحروا الأمناء الموثوقين... ومع خالص الشكر والتقدير
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


