لو كنت أملك رصيداً لخصّصت جائزةً لمن يستطيع أن يقدّم لنا فائدةً واحدةً، حقيقيّةً وإستراتيجيّةً وعلى المدى الطويل، تتحقّق للمرأة بتبرّجها وتعرّيها، أو سبباً عقلانيّاً مقنعاً واحداً يمكن أن نربط به التبذّل بالحضارة وبشروط الحضارة، إلّا أن يقول أحدهم: إنّه يحافظ على البيئة ويوفّر علينا الكثير من القماش! ولكنّ أيّ نوعٍ من التوفير هذا، ونحن نرى أنّه كلّما قلّت مساحة القماش ارتفعت قيمة الثياب عند مصمّمي الأزياء وتجّارها، وتدنّت قيمة من تلبسها في سوق الزواج! فهل هناك خسارةٌ أكبر من هذه الخسارة؟
غريزة الرجل تجاه المرأة تجعله ينظر إليها وكأنّها جبلٌ شاهقٌ من الأسرار يتلمّظ لاكتشافه، وقمّةٌ تتحدّاه ليتسلّقها ويصل إليها. والمرأة التي تُرخص نفسَها، وتكشف جسدها، وتبوح بأسراره، إنّما تهبط بهذه القمّة، وتُقدّمها للرجل على طبقٍ رخيص. فأين جاذبيّة القمم فيها؟ وأنّى للرجل بعد ذلك أن يستمتع بمواجهة هذا التحدّي لرجولته وقد أصبحت القمّة في جيبه؟
كم بين المتسلّقين من يحلم بالوصول إلى قمّة إيفرست، فإن نحن قطعناها لهم، ونقلناها من مكانها في الأعالي؛ وعرضناها في أكبر ميدانٍ بالمدينة، فسوف يتهافت عليها الجميع ليشاهدوها بأعينهم، وليلمسوها بأيديهم، وليطأوها بأقدامهم، وليلتقطوا لأنفسهم معها الصور التذكاريّة، وو.. وفي النهاية؛ سيشطبون هذه القمّة من قائمة طموحاتهم، ويبحثون عن قممٍ حقيقيّةٍ لا يصل إليها إلّا الرجال الأبطال.
بقدر ما تزداد صعوبة الوصول إلى المرأة؛ يزداد طموح الرجل لاكتشافها والفوز بها، فإن أَرخصتْ له نفسَها، وعرضت له قِممها وتضاريسها على الأرصفة، استمتع برؤيتها لثوانٍ، أو لدقائق، أو لأيّام، ثمّ ما يلبث أن ينصرف عنها باحثاً عن قمّةٍ شامخةٍ بعيدة المنال ليتزوّجها.
أمّا إن كانت متزوّجة، فلا تلومنّ إلّا نفسها إذا اكتشفت يوماً أنّ زوجها، الذي اعتاد وملّ من منظر جسدها اليوميّ وهي تعرضه أمامه وأمام الجميع بابتذالٍ واستهتار، قد راح يبحث عن امرأةٍ أخرى، ليستمتع باكتشاف أسرار جسدها، وتسلُّقِ قممها، حلالاً أو حراماً.
أمّا الخسائر التفصيليّة الأخرى فأمرٌ أطول من أن يُحصى، وحسبنا أن نأتي هنا على ذكر أهمّها، وإن كان من الصعب أن نَفصِل إحداها عن الأخرى، لأنّ كلّ خسارةٍ منها هي في الواقع نتيجةٌ لجارتها، أو مقدّمةٌ لها، أو جزءٌ منها:
1- أكثر ما يشدّ الرجل إلى المرأة شعوره بأنها سرٌّ مغلقٌ عميقٌ يتمنّى كشفه، فإذا ما انكشف له هذا السرّ، أو نال حاجته منه، بالنظر أو بغيره، زهد به، وانصرف يبحث عن سرٍّ آخر حصينٍ يكتشفه عند امرأةٍ أخرى. جسد المرأة بمثابة كنزٍ لا ينبغي للرجل أن يصل إليه، إنّه كلمة السر pass word لاجتذاب رجلٍ أمينٍ وراغبٍ بالزواج، هكذا فطرنا الله، فإذا كشفَتْه للجميع فلن يعود كنزاً، ولن تعود كلمةُ السرّ كلمةَ سرٍّ وقد رآها وقرأ أرقامَها الجميع، ومن ثمّ، تلاشت رغبة الرجل الأمين وتلهّفه لاكتشافها والوصول إليها.
2- قد يرى الرجل المرأة المتبرّجة أو المتبذّلة أمامه في الشارع فيهتف، ربّما، في نفسه: رائع! عظيم! مدهش! ... ولكنّه يتابع: هذه لي، ولجميع الرجال معي، فأين أجد تلك التي ستكون لي وحدي؟
3- إذا كان جسم المرأة كلّه، بمعنىً من المعاني، سرّاً، أو "بكارةً" في نظر الرجل السليم والسويّ، هكذا فطره الله، فكيف يقبل أن يتزوّج، أو أن يجعلها أمّاً لأولاده، أو أن يحترم أدنى احترام، من تَفتضُّ "بكارةَ" جسدها كلّ يوم، وبملء إرادتها، وهكذا على الملأ، بل في الشارع، عيونُ آلاف الرجال؟
4- تقول المتبذّلة في نفسها: سأجعل الرجال تدوخ أمام مفاتني. لن أدَعَ أعينَهم تلتفت إلى فتاةٍ غيري. سأجعلهم يرتمون تحت قدميّ. نعم، ربّما تنجحين في كلّ هذا، ولكنّ الثمن سيكون باهظاً، لأنّك ستخسرين مقعدك بين زوجات المستقبل. ليس أمامك حلٌّ وسط: إمّا أن تظفري بمنصب الزوجة الرفيع، وإمّا أن تُصغي إلى هاجسٍ داخليٍّ، متمرّسٍ وعنيد، يصرخ فيك بإلحاح: هيّا، اِفتِني الرجال، استمتعي بنظراتهم الظامئة، انتشي بتأوّهاتهم الحارّة، واشبَعي من كلمات غزلهم الجريئة، ثمّ ماذا؟ لن ينالك في النهاية إلّا فقدان منحتك الإلهيّة، ومنصب الشرف الكبير، وخسارة حقّك بالحصول على جائزة المرأة الكبرى في هذه الحياة: أن تكون زوجة وربّة بيت.
5- قد يذوب الرجل أمام حسناء متبذّلة، وقد يرتمي عند قدمَي غاويةٍ ساحرة، وقد يدوخ أمام متبذّلةٍ تستعرض مفاتنها في أرقى شوارع المدينة، ولكنّه، حين يقرّر في النهاية أن يختار حارسته الأمينة، ورفيقة دربه الأبديّة، ينكفئ راجعاً إلى أحد الأحياء الخلفيّة المنسيّة، ليبحث هناك عن فتاةٍ مستورةٍ، عاديّةِ الجمال، لم يَعرف جسدَها أحد، فيختارها زوجةً له، يحبّها وتحبّه، ويُخلص لها وتُخلص له حتى النهاية.
6- جاذبيّة جسد المرأة للرجل تشبه هيبة القائد أمام من يقودهم، فإذا أَسقط هذه الهيبة؛ اضمحلّ احترامهم له، واستهانوا به وبأوامره. إذا أسقطت المرأة الستر الذي يخفي أسرارها، ويحافظ على هيبة جسدها، وعرضت جواهرها الثمينة على المارّة في كلّ مكان، فقدت هيبتها في عيني الرجل. إنّها كالملكة التي تراقب خطواتها وحركاتها، وتحسب حساب نظراتها، وتُدقّق في تصرفاتها، وتَدرس بأناةٍ شكل لباسها، وتحافظ بقوّةٍ على أسرارها، وتقلّل ما استطاعت من عدد مرّات خروجها إلى جمهور مواطنيها، وعرضِ تاجها وجواهرها على القاصي والداني، حرصاً منها على وقارها وهيبتها وقدسيّة عرشها. ولو اختارت الملكة أن تنزل كلّ يومٍ إلى الشارع، وتُخالط البشر، وتُمازحهم، وتتباسط معهم، لَتَهافتوا عليها في اليوم الأوّل، والثاني، والثالث، والعاشر.. ثمّ ماذا؟ سيبدأون شيئاً فشيئاً بتجاهلها وإهمالها، ثمّ ما يلبثون أن ينفضّوا عنها إلى شؤون حياتهم اليوميّة. هذا هو شأن الرجل مع المرأة: إنْ شاهَدَها كاسيةً عاريةً مرةً بعد مرةٍ، فسوف تموت رغبته فيها، وهيبته لها، وتهافتُه عليها، شيئاً فشيئاً، حتّى تتحوّل هذه الرغبة إلى صفر، أو ما دون الصفر. فماذا تكون المرأة قد ربحت بهذا الابتذال لنفسها، وماذا تكون قد خسرت.. وخسرنا!!
7- إنّ أحد أهم الأسباب في تراجع نسبة الزواج؛ هو موت هذه الرغبة عند الرجل، بل شعوره بالزهد، وربّما الاشمئزاز من مبالغة النساء في التبذّل. ونحن نسمع عن قصص العديد من الرجال الذين صُدموا حين رأوا لأوّل مرّةٍ أجساد النساء المتعرّيات على الشواطئ، فشعروا وكأنّهم في مسلخٍ للحيوانات، ولم تعد أجسام هؤلاء السابحات في عيونهم أكثر من كُتَلٍ حيوانيّةٍ أو جثثٍ محنّطة.
8- لو تجاهلنا حقيقة أنّ الشرائع السماويّة قد فرضت الحجاب على المرأة، فكيف يمكن أن نتجاهل حقيقة أنّ كلّ مبتذَلٍ مرغوبٌ عنه، وكلّ معروضٍ مرفوض؟ إنّ الرخيص والمجّانيّ يأتي كدرجةٍ ثانيةٍ أو ثالثةٍ أو عاشرةٍ في نظر المشتري. حتّى الكتاب الثمين، عندما توزّعه على الناس مجّاناً في الطرقات؛ يفقد قيمته في عيونهم، وينصرفون عنه إلى كتابٍ غالي الثمن، يدفعون ثمنه ويقرأونه، مهما قلّت قيمته العلميّة. هكذا تماماً جسم المرأة.
9- اجتذاب المرأة بجسدها لأنظار الرجال يجعلها تشعر بالاعتداد الشديد بنفسها، وهو اعتدادٌ يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى جرأةٍ وصرامةٍ وخشونةٍ وقوّة، وهذه الصفات من شأنها أن تُفقدها، وبالتدريج، عضويّتها في نادي الأنوثة، وأن تُكسبها نوعاً من الرجولة تنفّر الرجال منها، وتدفعهم إلى البحث عن أخرى ما تزال كما أرادها الله لها: أنثى.
10- حين تجعل المرأة من جسدها منظراً مألوفاً أمام الرجال، فإنّ هذه الأُلفة، ومعها الرجولة التي اكتسبتها بتعايشها اليوميّ معهم، ومعها العَرض المجّانيّ لجسدها الرخيص عليهم، ستؤدّي جميعاً إلى تراجع قوى الرجل الجنسية، وإلى نقص الحييونات المنَويّة عنده، كما سبق أن فصّلنا.
11- إذا كان الاحتشام والتستّر للمرأة بمثابة حارسٍ لها من الأشرار الذين يتربّصون بها في الشارع أو غيره، كما أكّدت لنا الآية القرآنيّة " ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ"، أفليس من حقّنا أن نقول: إنّ تخلّيها المتعمَّد عن هذا الحارس الأمين؛ لا يمكن أن يعني إلّا دعوةً صريحةً وصارخةً لأولئك الأشرار للاعتداء عليها والنيل منها، حتّى إن لم تكن قد أرادت ذلك؟
12- كم مِن حادث سيرٍ وكوارث إنسانيّةٍ وقعت على الطرق العامّة بسبب شرود سائقٍ وانشغالِه بالنظر إلى جسد امرأةٍ متعرّيةٍ لم تعبأ بما يمكن أن يؤدّي إليه هذا الاستهتار بجسدها، وبحرمة الشارع، من نتائج مأساويّةٍ للآخرين.
هذا البند الأخير يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن المسؤوليّة القانونيّة التي تتحمّلها المرأة المتعرّية، ليس في حوادث السير فحسب، بل في عواقب ومواجهاتٍ كثيرةٍ أخرى مع القانون، لو نظرنا إلى الآليّة التي يَعمل بها هذا القانون من زاويةٍ موضوعيّةٍ وعقلانيّةٍ وعادلة.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


