بينما نكون في الطريق سائرين فإننا سنجد من يترصد طريقنا و يتابع حركاتنا و يرقب سكناتنا ليقطعوا الطريق علينا و يصدوا الناس عن المسير معنا في الطريق و هؤلاء الذين قال فيهم الله تعالى :
و هؤلاء ما يقطعون الطريق الحق, إلا أنهم علموا أن الوصول لنهايته, هو نهاية مصالحهم الدنيوية, و أهوائهم, و سلطانهم الظالم. و هذا ما حصل مع النبي صلى الله عليه و سلم حين دعا قومه للتوحيد, فعلموا أن التوحيد هذا, سيسلبهم جاههم و سلطانهم, و يجعله لله تعالى, و ليس لأهوائهم, و هؤلاء قال فيهم الله تعالى :
و من الآيتين السابقتين, نرى أن قاطعي الطريق, و الصادين عن سبيل الله, يشتركون بصفة واحدة, و هي اتباع الأهواء البعيدة عن الحق, و حب الدنيا على الآخرة, و هؤلاء وصفهم الله تعالى بأنهم ضلوا الطريق فسلكوا طريقاً غير الطريق, و سبيلاً غير السبيل.
و هؤلاء الذين يصدون الناس عن اتباع الحق, و يعبثون بالطريق إلى الله يريدون إطفاء نوره, باغين, و عادين على الله و رسوله, و على السائرين في الطريق, هؤلاء من نسميهم قطاع الطريق, و لم نقل قطاع الطرق, فالطريق واحد, و السبيل جلي, و هم لا يقطعون إلا طريقاً واحداً, هو الطريق إلى الله, الطريق إلى رفعة الأمة, و ريادتها بالإسلام.
و لكن هيهات أن يستطيعوا, فالله وعدهم الخذلان, و وعدنا النصر, حيث يقول الله تعالى :
و هؤلاء قطاع الطريق, إنما يعيثون في الأرض فساداً, و يخادعون الله, و رسوله و ما يخدعون إلا أنفسهم, يعملون على خداع الناس بالكلام المعسول, و الشعارات الكبيرة, و الدعوات المشبوهة, التي تخفي ورائها ما تخفي من المصائب, و المؤامرات على هذه الأمة, و هؤلاء من يصفهم الله تعالى بقوله :
قطاع الطريق ينفقون أموالهم, و يستخدمون كل ما يستطيعون من جاه, و سلطة, و إعلام و غيره, ليصدوا عن سبيل الله, و لن يستطيعوا, فالله تعالى وعدهم بالخزي, و الحسرة, و لكن الله إنما يمد لهم, ليميز بين الخبيث, و الطيب, و ليحيا من حيي عن بينة, و يهلك من هلك عن بينة, إن الله يريد أخذهم بعد أن يقيم الحجة عليهم لئلا يكون للناس على الله حجة, حيث يقول الله تعالى :
قطاع الطريق, الذين يعبثون بهذا الطريق, و يصدون الناس أن يسيروا في هذا الطريق, إنما يفسدون في الأرض أيما إفساد, و إنما يعلنونها حرباً على الله و الرسول, و المؤمنين جميعاً, و هؤلاء أنفسهم من أعلن الله حربه عليهم, و أمرنا بمقاتلتهم, و هؤلاء من حاربهم رسول الله صلى الله عليه و سلم, وخاض المعارك ضدهم, ليس لأنهم لم يتبعوه, و ليس لأنهم لم يسلموا, و إنما بما قدمت أيديهم لقطع طريق الدعوة إلى الله, و إظهار الحق للناس, و منع الناس أن تؤمن, و تتبع الهدى, و تعرف دينها, و تعرف غاية وجودها, و خالقها, و ترتقي بمجتمعاتها بالإسلام, حيث يقول الله تعالى :
إن الله لم يطلب منا أن نفرض عليهم الدين, و نجبرهم على الإسلام, فالله غني عن العباد, و لا يقبل المنة من أحد في أن يؤمن, إنما هو من يمن على الناس أن هداهم للإيمان, و لكن طلب منا أن نبين للناس الحق, و نبين لهم الطريق, و نجاهد في سبيل ذلك بأموالنا و أنفسنا, فإن شاؤوا ساروا و اتبعوا الحق, و إن لم يقبلوا فهذا حق لهم, على أن لا يقطعوا الطريق, و لا يمنعوا من رغب بالمسير أن يسير في هذا السبيل, حيث يقول الله تعالى :
و لهم الحق علينا أن نعاملهم بما أمرنا الله عز و جل بالبر و القسط, ما لم يقطعوا طريقنا, و يصدوا الناس عن السبيل, و ما لم يقاتلونا أننا آمنا بالحق و اتبعنا سبيله, حيث يقول الله تعالى :
لكن إن قتال هؤلاء لا يكون بشكل فردي و لا عشوائي أبداً, بل لابد و أن يكون هناك شيء اسمه مجتمع إسلامي تتمثل فيه العقيدة, متكامل, متكافل, و متفاهم في داخله و له قيادة و هيكيلية منتظمة تستطيع تمثيل هذا المجتمع.
وعندها يمكن إتخاذ قرارات بإعلان الحرب على من يعادي هذا الدين, و على من يعلن الحرب على الله و الرسول, و على المؤمنين, و يريد صد الناس عن الحق, و إبعادهم عن سواء السبيل.
ولنا في مسيرة الدعوة الإسلامية في عهد النبوة خير دليل على كلامنا, فلم يعلن الرسول صلى الله عليه و سلم, حرباً على مجتمع الجاهلية الذي حارب الإسلام, و حارب الدعوة إلى الإسلام, و عمل على صد كل من يريد اتباع هذا السبيل, حتى أذن الله تعالى له بالحرب, حيث يقول الله تعالى :
و هذه كانت أول آية يشرع الله بها الجهاد للمسلمين, و يأذن لهم بالقتال, أنهم ظلموا و أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن قالوا ربنا الله, و اتبعوا سبيل الرشاد.
إن الله تعالى لم يشرع الجهاد و القتال للمسلمين و هم في مكة رغم أنهم كانوا يعذبون و يشردون بعيداً عن أوطانهم و لم يكن المجتمع الإسلامي قد تشكل بعد كمجتمع عضوي حركي منظم تتمثل العقيدة الإسلامية فيه و لم تكن الصفوف قد اجتمعت و لم تكن أركان المجتمع الإسلامي قد اكتملت و لكن بمجرد أن أصبح للمسلمين مجتمع قائم بذاته إقتصادياً, و بشرياً, و عسكرياً, و جغرافياً, في المدينة المنورة, كانت اللحظة المناسبة التي أمر الله تعالى المسلمين بأنهم ظلموا, و أن من حقهم اليوم رد الظلم عن أنفسهم, و الجهاد في سبيل الله, و إن الله الذي لا نشك في حكمته لو لم يعلم أن هذا هو الظرف الأمثل لما أذن لهم.
إذاً إن الشرط اللازم و غير الكافي لإعلان الحرب على مجتمع الكفر و الشرك الذي يعترض الطريق إلى الحق هو قيام مجتمع إسلامي متكامل الأركان (إقتصادياً – بشرياً – عسكرياً – جغرافياً – قيادة) تتمثل فيه العقيدة الإسلامية.
و لكن في الأوضاع الراهنة التي نعيشها فإن قيام مجتمع إسلامي في دولة قائمة يعتبر بالمفاهيم السائدة دولة داخل الدولة, و لكن نقول أنه عندما أقام النبي صلى الله عليه و سلم مجتمعه الإسلامي ضمن المدينة المنورة قام هذا المجتمع ضمن مجتمع قائم أساساً و له قيمه و قوانينه و قياداته و أرضه و نظامه.
حيث أتى الرسول صلى الله عليه و سلم و المهاجرين معه إلى المدينة, فوجدوا من يناصرهم من أهل المدينة و هم الأنصار, و استطاع بذلك تأمين المجتمع بشرياً و جغرافياً و قيادة, فبدأ الإعداد لإستكمال بناء المجتمع الإسلامي المنشود, فأمر ببناء المسجد برمزيته العلمية, و السياسية, و الدينية, و أمر بإنشاء سوق للمسلمين, و أسس جيشاً إسلامياً.
و بذلك استطاع استكمال أركان المجتمع العضوي الحركي للعقيدة الإسلامية, و كل ذلك كان مدعوماً, و مؤيداً بتعاليم سماوية من الله عز و جل.
فاستطاع بذلك بناء التحالفات مع المجتمعات القائمة من غير المسلمين, و تم صياغتها على شكل وثيقة, دعيت بوثيقة المدينة, و التي تعتبر أول دستور في الإسلام تم التعبير فيه عن الوطن بمفهومه الشامل, التعددي, و بما يحفظ للدعوة قوتها, و استمراريتها, و في نفس الوقت يضمن مصالح المجتمعات الأخرى التي تشاركه الوطن في أرقى صورة للمواطنة, و قبول الآخر.
ولكن توازنات القوى اليوم, لا تسمح بأن يقوم المجتمع المسلم بإعلان الحرب على قطاع الطريق, و الصادين عن السبيل, فاليوم هؤلاء ربما يكونون متمثلين في حكومات, و أجهزة إعلامية ضخمة, و أجهزة أمنية غادرة, و قوة عسكرية مجهزة بأحدث العتاد, الذي يحتاج الكثير لمجاراته من أموال, و مساحات واسعة, و علاقات دولية, و غير ذلك من تعقيدات الأمور.
بالتالي, لابد من البحث عن بدائل, و خيارات أخرى تتناسب و فقه الواقع, تتيح لهذا المجتمع المسلم صيانة نفسه, و حماية كيانه, و دعم فكرته و نشرها.
و لابد من إيجاد وسائل جديدة تتوافق و فقه الواقع, غير الحرب العسكرية المباشرة للرد على قطاع الطريق, و قطع دابرهم, و رد ظلمهم, و منع أذاهم, لفتح الطريق أمام الدعوة, و أمام السائرين, لإكمال الطريق, و من أجل تهيئة الظروف المناسبة لمن أراد أن يسمع الحق, و يسلك الطريق.
لابد لهذا المجتمع المسلم, إن توفرت أسباب قيامه, أن يبحث الوسائل, و الآليات, التي تجعل منه قوة تستطيع حراسة الطريق, و من يسير فيه, و من يريد أن يستنير, و يعلم الحقيقة.
لابد لهذا المجتمع, من الإعداد الجيد, و تأمين أسباب القوة, من علم, و إقتصاد, و إعلام, و إدارة, و تنظيم, لهذا الغرض. حيث يقول الله تعالى :
و يستطيع بهذه القوة, أن يتفاوض, و يصل لصياغة تفاهمات, تحميه في الطريق, و تسمح له في السير ضمن ظروف مناسبة, بعيداً عن المنغصات, و العراقيل التي تشغله عن الهدف الكبير الذي يسير إليه, و تسمح في نفس الوقت لمن أراد أن ينضم لقافلة السائرين, بالإنضمام, و السير في ذات الطريق.
في ذات الوقت فإن هذا المجتمع لابد له, و أن يتواصل مع المجتمع الآخر, بما يحقق مصلحة الوطن ككل, على كامل الأرض, و يحفظ للمجتمع المسلم خصوصيته, و يسمح له بالحرية في شعائره و شرائعه.
و لنا في حياة المجتمع المسلم الذي أسسه رسول الله صلى الله عليه و سلم في المدينة المنورة, خير دليل على كلامنا.
فقد تعامل هذا المجتمع مع المجتمعات القائمة على أرض الوطن, بما يضمن لكل مجتمع حقوقه, و خصوصيته, في شعائره, و شرائعه, و بما يحفظ وحدة التراب الذي تقوم عليه هذه المجتمعات جميعاً.
و تم صياغة بنود وثيقة المدينة, في هذا الخصوص, و التي كانت بمثابة عقد مجتمعي بين المجتمعات القائمة على تراب المدينة, يضبط حركة كل مجتمع, و علاقته بالآخر, و يصون الحقوق و الواجبات, و يحفظ السلم الأهلي, و يحافظ على وحدة التراب, و وحدة المصير.
و هذا عن قطاع الطريق, و الله المستعان ...
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


