جاء شيطان إلى شاعر مغمور ، توسّم فيه ما يرجو .. فقال له بلا مقدّمات :
هل أنت مندسّ ؟ أم من المتظاهرين المتآمرين ؟ أم أنت من العصابات المسلّحة ؟
فقال له : ومن أنت ؟ وما شأنك بي ؟
فقال له : أجبني أوّلاً .. أعرّفك بنفسي ، ولك منّي كلّ الأمان ..
فقال له : أنا من هذا الشعب ، مواطن مغمور ، أبحث عن قوت يومي ، أهوى الشعر وأقوله لأبثّ همومي ..
فقال له : أنا بكلّ صدق شيطان رئيسكم بشّار .!
فقال الرجل : ويلي منك .! ويلي منك .! أما تكفينا شبّيحته ومخابراته ، وطائراته ودبّاباته ، حتّى ينزل علينا شيطانه .؟! ولم أرسلك إليّ يا خبيث ابن الأخابث .؟! وماذا تريد منّي .؟
فقال له الشيطان : تمهّل عليّ أيّها الرجل ! لقد توسّمت فيك عقلاً وحكمة ، فأتيتك شاكياً ..
فهدأ الرجل قليلاً وقال له : وماذا تشكو .؟
قال : جئت أشكو إليك صاحبي بشّار .! هذا الغبيّ الأحمق .. قال : وماذا تشكو منه .؟!
قال : عندما أمر بقتل بعض المتظاهرين قلت له : اعتقل .. عذّب .. افتن الناس بكلّ شيء .. ولا تقتل ..
فقال لي : ولماذا .؟! فقلت له : إنّك بقتلهم تحقّق أمنيتهم ، وترسلهم إلى الجنّة ، وتحرّض غيرهم على مثل فعلهم .. فقال لي : ما عليّ منهم .. هكذا علّمني أبي .. وهكذا تأمرني الآن أمّي وخالتي ، وكلّ من معي .. وأصبح القتل بالمئات ، وبكلّ قتيل لي مأتم ورنّة حزن ، لأنّي أرى الملائكة لا تهدأ صباح مساء ، تنزل من السماء ، وترفع أرواح الشهداء ، تبشّرهم برحمات الله ورضوانه ، وأخرى تنزل بالسكينة على قلوب أهله وإخوانه ..
فقلت له : انظر يا بشّار .! الناس كانوا بعيدين عن الدين ، وقد عادوا إلى دينهم بصورة مذهلة .. لقد ضيّعت عليّ هذا العام جهود أربعين سنة .. وأخذ الشيطان يلطم وجهه وينتحب ..
فقال لي : ما عليّ منهم .. ما عليّ منهم .. ثمّ ضحك ضحكة خبيثة ، فاغتظت منه ، وقلت له : ويلك أتضحك عليّ .؟! فقال لي : لا ، لا أضحك عليك ، وإنّما أريد أن أفشي لك سرّاً .. لقد تجاوزتك من زمن بعيد .. وأنا أتلقّى التعليمات والإشارات من أبيك إبليس مباشرة .. فلم أقتنع بكلامه ، وحاولت معه وحاولت ..
وعندما أعيتني الحيل مع هذا الغبيّ الأحمق .. عدت إلى أبينا إبليس ، وله من بشّار كلّ التعظيم والتقديس ، فشكوت إليه الحال ، فضحك ضحكته الخبيثة التي نعرفها ، وقال لي بعد طول انتظار : لا تقلق .. لا تقلق .. وابق في عملك ، ولا تغادر مهمّتك ..
فقلت له : اشرح لي يا سيّدي ! فأنا في قلق بالغ .. فأعاد القول مرّة أخرى : لا تقلق .. لا تقلق ..
واشتدّ بي الهمّ والغمّ ، وأنا أرى ما حدّثتك عنه .. فجئت إليك وأنا عديم الحيلة أرجوك أن تعلن على الناس هذه الأبيات التي أهجو بها هذا الغبيّ الأحمق ..