لا شك أنَّ ما أوصل الكاتب لكتابة هذه المقالة هو العلم الذي لا ينفع صاحبه، بل يكون وبال عليه.
وهذا الخطاب غالباً ما يتبناه أصحاب الاتجاه العلماني( الللاديني)، فهم يقصرون المعرفة على الأمور التجريبيَّة المحسوسة، ويغفلوا الجانب المعرفي المتحقق بالوحي، ولا أحد من العقلاء يشك في أن الوحي مصدر من مصادر المعرفة والعلم.
وقد وقع كاتب المقالة في تعميمات غريبة، وتخبط عجيب، سواء في تعريفاته أو النتائج التي وصل إليها في مقاله.
ففي تعريف النفع قال: (يعرف النفع على أنه السعادة أو البهجة مقابل المعاناة والألم، وهو قيمة أخلاقية للفعل، تقيم الفعل بمقدار ما ينتج عنه من النفع)، ويؤخذ على هذا التعريف أن الطبيب المعالج (وهو طبيب أسنان) قد يستأصل أحد أعضاء المريض لكي يحمي حياته ويحقق له النفع، فهل جلب له بذلك السعادة والبهجة؟ وقد يعاقب الأب ولده بعقوبة مؤلمة، ليقوِّم سلوكه وينفعه في مستقبله، فهل حقق الأب بعقوبته لولده له السعادة والبهجة؟ وهكذا كثير من الأمور في الحياة، قد تكون في ظاهره ألم وشدة، إلا أن عاقبته خير ومنفعة.
كما أن تعريف للعلم بالمفهوم الحديث على أنه: (طريقة التفكير العلمية" مشاهدة، فرضية، تجربة، صياغة"، والمنظومة الفكرية التي تنتج عنها، وتشتمل على مجموعة الفرضيات والنظريات والقوانين والاكتشافات المتسقة والمتناسقة التي تصف الطبيعة وتسعى لبلوغ حقيقة الأشياء يقصي هذا التعريف كل ظاهرة غير قابلة للمشاهدة، وكل فرضية لا يمكن اختبارها بالتجربة لإثباتها أو تفنيدها.)، ليس صحيحاً، فهناك كثير من العلوم لا تبنى على المشاهدات ولا على الفرضيات ولا على التجارب، كالعلوم الإنسانية، وعلم التاريخ، والعلوم السياسية، وعلم الحقوق، وعلوم الإلهيات (العلوم الشرعية)، وهي علوم بتعريف كل الجهات العلمية المختصة في كل أنحاء الدنيا، تفتتح لها الجامعات، وتتعدد فيها التخصصات، ويحتاج المجتمع لأصحاب هذه التخصصات، فكيف به وبتعريفه القاصر يقصي هذه التخصصات على أن تكون علما، وإذا لم تكن علماً فماذا تكون؟
وأما فهمه لنظرة الإسلام للعلوم فهي كذلك مشوهة قاصرة، مما يدل على سطحيته وجهله، فهو يرى أن العلم في النظرة الإسلامية، هو فقط ذلك الذي يتعلق بكتاب الله وسنة نبيه وما يستنبط منهما، ويتجاهل أن المسلمين كانوا رواد الحركة العلمية من طب وفلك وهندسة وحساب..، لعقود من الزمان، وأن نهضة الغرب إنما كانت بما أخذوه من علماء المسلمين، ثم طوروه وأضافوا عليه، في الوقت الذي تخلف فيه المسلمون عن ركب الحضارة لعقود، وقد كان رواد النهضة العلمية لما كانت أوربا تغرق في الجهل والظلام من فقهاء المسلمين وعلمائهم، الذين جمعوا بين العلوم الدينية والدنيوية، كابن رشد، وابن الهيثم، وابن النفيس، والبيروني، وغيرهم الكثير.
فهل كان فهمهم للعلم كما صور الكاتب، وأنه القصد هو تزكية النفس؟
انظر ماذا يقول هذ المتجني القاصر: ( بالمقابل فإن العلم النافع في النظرة الإسلامية في أغلب تعريفاته هو حصراً للعلم الشرعي " تفسير، حديث، فقه... إلخ"، وترتكز دلالات العلم النافع في أغلب الأدبيات الإسلامية - تبعاً لهذا التعريف- على مقدار تزكيته للقلوب والأرواح، وعلى وصف حال المتحدث بهذا العلم، فإن كان من الذين “ لا يرون لأنفسهم حالاً ولا مقاماً ويكرهون بقلوبهم التزكية والمدح ولا يتكبرون على أحد”، أو “أنه يدل صاحبه على الهرب من الدنيا وأعظمها الرياسة والشهرة والمدح”، كان ذلك دلالة على أن العلم نافع!! غاضاً البصر عن انعكاس هذا العلم على الواقع وعلى حياة الناس، من حيث الفائدة والمصلحة والنفع للفرد والمجتمع).
وقد أداه جهله إلى هذه النتيجة الغريبة وهي: (أن المرتكز الأساسي للعلم ليصبح نافعاً هو أن يكون قابلاً للتصحيح والتغيير والإضافة والحذف وحتى الإلغاء، فيما إذا تبين خطأ الفكرة أو النهج أو النتيجة، وهو المرتكز الذي يجعل العلم دائم النفع، وإلا تحول إلى غثاء آسن نتيجة الجمود والركود بفعل المتغيرات المتسارعة التي تطرأ على المعرفة)، ولم يميز بين ما بين الثوابت والمتغيرات، فهناك في كل علم ثوابت لا يمكن أن تتغير، فهل البدهيات العقلية قابلة للتغيير؟ وهل القواعد الرياضية قابلة للتعديل؟ وكذلك ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الصحيحة، فهذه نصوص قطعية لا يصح المساس بها، نعم قد يختلف الفهم لبعض النصوص ذات الدلالة الظنية ، أما النصوص ذات الدلالة القطعية فلا تقبل الأخذ والرد، ولا النقاش ولا الحوار، ولا التغيير ولا التبديل فضلا عن الإلغاء.
أما حديثه عن أن معظم العلوم الإسلامية تحوم حوله هالة من القداسة، فهو لم يميز بين ما هو من قبيل النصوص القطعية في ثبوتها ودلالاتها، وبين ما هو ظني الثبوت والدلالة، كما أن كلامه عن اجتهادات العلماء واختلافاتهم ينقض كلامه من أصلها، فلو كانوا يشعرون بتلك الهالة من القداسة لما اختلفوا في الاجتهادات.
وأما حديثه عن الاختلافات بين علماء المسلمين، يبدو أن تعصبه الأعمى لفكرته، أعماه عن التمييز بين الثوابت التي لا تقبل الاجتهاد، والأمور الاجتهادية التي ثبتت بنصوص ظنية، فهل اختلف العلماء في فرضية التوحيد وأركان الإيمان، والصلاة والصيام والزكاة والحج، وأصول الأحكام، وأصول الأخلاق؟
انظر إلى كلامه وما فيه من تجنٍّ وهجوم يدل على جهله: (بالمقابل تحوم حول (معظم) “العلوم الإسلامية” هالة من القداسة تحول بينها وبين إبداء الرأي حولها على أقل تقدير، فضلاً عن طرح فكرة التصحيح أو التغيير أو الإلغاء، ويتهم من يفعل ذلك بالطعن في الدين أو الثوابت والتشكيك في العقيدة، مع أن نظرة متفحصة لتلك “العلوم” تخلص إلى كون “معظمها” مجرد آراء وتصورات ونقولات شخصية، وتتسم في كثير من الأحيان بالتضارب، ويفسر ذلك ضمن الوسط الإسلامي على أنه نوع من الاختلاف الفكري الذي مؤداه التيسير والتسهيل!
ولعل نظرة إلى “علوم القرآن” أو “علم مصطلح الحديث” أو “القواعد الفقهية” أو كتب “الفقه” أو إلى الأحكام الفقهية بشيء من التجرد وبعيداً عن التبريرات اللامنطقية قد يخلص إلى تلك النتيجة، فالأمر الواحد -على سبيل المثال- قد يكون حراماً “يأثم فاعله”، وقد يكون هو نفسه وفي نفس المذهب جائزاً أو حلالاً “يثاب فاعله”، وقد يكون مكروهاً أو لا شيء فيه، ناهيك عن استعمال كلمات ومكاييل وتصنيفات ومعايير وأمثلة لم تعد مستخدمة منذ زمن بعيد).
واجتهادات العلماء وتصحيحهم وتضعيفهم، واستدراكاتهم، وتنبيهاتهم، وردودهم التي تواردت على مدى الزمان دليل على بطلان قوله: ( إن أخطر ما اجتاح هذه العلوم هو استعصاؤها على النقد أو التعديل أو الإضافة أو الإلغاء، بصبغها صبغة القداسة، ما جعلها غير صالحة واقعياً لتواكب المتغيرات المتسارعة، وليكشف التطبيق العملي “لأغلبها” الكثير من عوارها وعدم أهلية معظمها لتكون نافعة، وهو شأن العلوم جميعها فيما إذا أصابها نفس الجمود أو الركود، نتج ذلك عن توجهات أرادت حماية هذه العلوم ورفع مكانتها وتنزيهها عن النقد، فأماتتها من حيث لا تدري(.
وأما حديثه عن ضعف مخرجات الكليات الشرعية، فهي كغيرها من الكليات، فالضعف عندما يصيب أمة ما، فإنه يصيب كل مرافقها وجهاتها وتخصصاتها، فليقل لنا -وهو طبيب الأسنان- ما الذي اخترعه وأبدعه في تخصصه؟ واختصاصه ميدان خصب للإبداع والتجديد، فإذا كان الأمر كذلك فلا ينبغي أن يركز الضوء على الكليات الشرعية، ويغفل النظر عما سواها وما اعتراها من ضعف.
وأما نفعية هذه العلوم للمجتمع، فأقول له: إن العالم اليوم لا يشكو من قلة الأطباء ولا من قلة المهندسين، إنما يشكو من ضعف القيم والأخلاق وفساد الضمائر، التي لا تصلح إلا بالقيم الربانية، والمبادئ الإنسانية، فالناس لا يحتاجون إلى الطبيب إلا في حالة المرض، ولا يحتاجون إلى المهندس إلا في أمور خاصة، أما حاجتهم لما يصلح أنفسهم وأولادهم وزوجاتهم ومجتمعاتهم أكبر بكثير، ولو كان صلاح المجتمعات بالأطباء والمهندسين والمخترعين لأرسل الله إلى عباده رسلا أطباء أو مهندسين أو مخترعين.
وأما الصعوبات التي يعانيها المتخرج من الكليات الشرعية للحصول على عمل فأقول له: هل شكى لك أحد من ذلك؟
ثم على فرض أن ما قلته صحيحاً، فهذا الأمر ليس مقتصراً على المتخرجين من الكليات الشرعية، بل هو عام في كل التخصصات بما في ذلك الطب والهندسة والعلوم الإنسانية.
ثم أنصحك بأن تبقى خيطاً من المودة مع أصحاب التخصصات الشرعية لتجد لك بعد موتك من يغسِّلك ويكفنك ويصلي عليك، إلا إذا كنت تفكر في تغيير أحكام غسل الميت والصلاة عليه ودفنه في جملة ما تدعو إلى تغييره وتبديله وإلغائه !!
وأما عداوة الغرب الكافر لأهل الدين فهي قديمة، وقد كان أعداء للنبي صلى الله عليه وسلم، وستبقى عداوتهم لأهل الدين ما بقيت الحياة واستمر الصراع بين الحق والباطل، قال تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى ...) .
وأما حالة الاستعلاء التي تكلمت عنها، فهي حالتك وحالة أمثالك، ممن يملكون مثل أفكارك...
وأما حديثك عن الاقتصاد الإسلامي، فلا شك أنه ما زال في بداياته، وقد أثبت جدواه وفاعليته، مما حدا بأكثر بنوك العالم بإقرار تجربة الاقصاد الإسلامي، وممارستها، مع التأكيد على أن الأمر لا يزال فيه كثير من الثغرات.
والحقيقة أن المقال جمع كثيرا من الغثاء، والنظرة السطحية المشوهة، التي تتظاهر بالغيرة على الإسلام والمسلمين، وأظن الأمر على خلاف ذلك.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


