يُبتلى الحبيب ﷺ في في عِرضه الطاهر، فتُرمى أمُّ المؤمنين – الطاهرة العفيفة - بإفكٍ يتردّد صداه في أزقّة المدينة، وتلتقطه الألسن كما تلتقط الريحُ الشرر. وتموج الأرض بالظنون، وتضيق الصدور، ويبلغ البلاء منتهاه.. حتى إذا استحكمت الظلمة، انشقّ أفقها عن نورٍ من عند الله… فنزل القرآن بيانًا قاطعًا، لا يبرّئ فحسب، بل يؤسّس ميزانًا خالدًا للعدل والقول.
فما أضيق الأفق حين يُقاس الحدث بظاهره، وما أوسع البصيرة حين يُنظر إليه بنور الوحي. حادثةٌ رجفت لها القلوب، واضطرب لها المجتمع، وامتدّ ظلّها الثقيل على بيت النبوّة الطاهر… ثم يأتي القرآن لا ليهوِّن من وقعها فحسب، بل ليقلب موازين النظر فيها: {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}.
تدبَّر قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 11].
أيُّ خيرٍ في محنةٍ تُدمي القلب؟! إنه الخير الذي لا يُدركه البصر القريب، بل تكشفه حكمة الله البعيدة. خيرٌ تجلّى في وجوهٍ متعددة:
براءةٌ نزلت من السماء، لا يشوبها شك، ولا يدانيها دفاع بشر.
رفعةٌ لقدر أم المؤمنين، إذ تولّى الله الدفاع عنها بوحيٍ يُتلى إلى يوم القيامة.
أجرٌ مدّخر، يُثقِل ميزان الصابرين يوم الحساب.
تربيةٌ للأمة، تكشف لها خطر الكلمة، وتبني في ضميرها ميزان العدل والتثبّت.
وفضيحةٌ للمفترين، تلاحقهم في الدنيا، ويُستوفى جزاؤهم في الآخرة.
وهكذا تتحوّل المحنة إلى منحة، لا لأنها خفيفة، بل لأن عاقبتها راجحة. فالشرّ ليس ما أحزن لحظة، بل ما أورث ضررًا دائمًا؛ والخير ليس ما أفرح ساعة، بل ما أثمر نفعًا باقياً. ومن هنا قال أهل العلم: إنما يُوزن الخير والشر برجحان المآلات، لا بمرارة البدايات.
تأمّل وصف القرآن: {عُصْبَةٌ مِّنكُمْ}
هي كلمةٌ تحمل في طيّاتها تحقيرًا لشأنهم، مهما اجتمعوا، وتلميحًا مُرًّا إلى انحرافهم عن خُلق الإسلام، إذ خرجوا من صفّ الأخوة إلى أذى المؤمنين. فليست الكثرة ميزان حق، ولا الانتساب الظاهر عصمةً من الزلل.
ثم يضع القرآن قاعدة العدل الفردي: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ} فلا تذوب المسؤوليات في الجماعات، ولا تُحمَل الأوزار بالتبعية، بل لكل نفسٍ حسابها، ولكل كلمةٍ وزنها.
ويُفرد بالذكر صاحب الكِبْر من الإثم: {وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ}؛ ليدلّ على أن الجرائم تتفاوت، وأن قيادة الفتنة أشدّ من المشاركة فيها، وأن إشعال الشرّ أعظم من ترديده. ثم تمتدّ دلالة الحادثة إلى ما هو أبعد من زمانها: تمييزٌ بين المؤمن الصادق والمنافق المتربّص، وتشريعٌ يردع الألسنة عن الخوض في الأعراض، وكشفٌ لسنن الله في الابتلاء، وبيانٌ أن الله يدافع عن أوليائه ولو بعد حين.
ومن لطائف هذا المقام، أن الله برّأ أولياءه بآياتٍ عجيبة:
فبرّأ يوسف بشاهدٍ من أهلها.
وبرأ موسى من قول اليهود بالحجر الذي ذهب بثوبه.
وبرأ مريم بكلام ولدها في حجرها.
وبرأ عائشة من الإفك بإنزال القرآن في شأنها.
فخلَّد اللهُ براءتها، وأعلى شأنَها رضي الله عنها، وتضمنت هذه الآيات الغاية القصوى في الاعتناء بها، والكرامة لها والتشديد على من قذفها.
إن أعظم ما تكشفه هذه الآية: أن المؤمن قد يرى الاضطراب في صفّه فيحزنه ذلك، لأن فطرته تطلب الكمال والنقاء، فإذا وقع النقص حسبه شرًا محضًا. لكن الوحي يصحّح هذا الشعور: فليس كل اضطراب هلاكًا، بل قد يكون بداية إصلاح، وليس كل ألمٍ خسارة، بل قد يكون بابًا للرفعة. فكم من محنةٍ ظنناها نهاية، فإذا بها بداية! وكم من ألمٍ حسبناه شرًا، فإذا في طيّاته خيرٌ مدّخر! فلا تحكم على أقدار الله من أول الطريق… فإن تمام الحكمة لا يُرى إلا عند آخره.
قال الإمام ابن عاشور: وبعد إزالة خاطر أن يكون ذلك شرا للمؤمنين أثبت أنه خير لهم فأتى بالإضراب لإبطال أن يحسبوه شرا، وإثبات أنه خير لهم لأن فيه منافع كثيرة إذ يميز به المؤمنون الخلص من المنافقين، وتشرع لهم بسببه أحكام تردع أهل الفسق عن فسقهم، وتتبين منه براءة فضلائهم، ويزداد المنافقون غيظا ويصبحون محقرين مذمومين، ولا يفرحون بظنهم حزن المسلمين، فإنهم لما اختلقوا هذا الخبر ما أرادوا إلا أذى المسلمين، وتجيء منه معجزات بنزول هذه الآيات بالإنباء بالغيب. قال في «الكشاف» : وفوائد دينية وآداب لا تخفى على متأملها. انتهى كلامه رحمه الله.
مراجع تمت الاستفادة منها:
تفسير ابن عطية (4/ 169)
تفسير ابن جزي (2/ 62)
التحرير والتنوير (18/ 171)
بقلم: أحمد بلال البيانوني
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


