ماهي؟ وما حكمها؟
ما فائدة ذلك؟ وما الضرر فيه؟
وما الحد الذي إن تجاوزه القارئ يخرج من دائرة المقبول إلى دائرة المنبوذ؟
قراءة القرآن بالمقامات من حيث المبدأ ليس محل النقاش فيها بـ (هل تصح؟ أم لا تصح؟)؛ فليست أمرا خارجيا يجتلبه القارئ فيخلطه مع التلاوة، وبإمكانه نزعه منها!
بل هي أمر حاصل جبلّةً وعفويا عند الترنم والتغني وتحسين الصوت، وذلك في القرآن وغيره.
وعلى هذا فسؤال( هل تصح القراءة بالمقامات؟) خطأ منطقي أساسا، كسؤال: هل ننظم الشعر بالأبحر؟ وهل نأكل بالأسنان؟ وهل نتنفس الهواء؟
فلا بد من تصحيح وتوجيه السؤال أولا، ليكون مثلا: ما ضوابط إعمال المقامات أو استدعائها أو التفكير بها أثناء التلاوة؟ أو بغيرها من الصيغ المنطقية في السؤال.
ثم إن القراء ينقسمون هنا إلى قسمين:
🔹 القسم الأول:
عرف المقامات، وإذا قرأ القرآن عرف - دون قصد أو تكلف ولا انشغال أصلا- أنه يقرأ بمقام كذا أو مقام كذا، ولكونه قد عرفها سلفًا بطريقة أو بأخرى، سواء بالسماع أو التعلم الأكاديمي، وعرف عن طريق الاستقراء والثقافة السمعية الذوقية طبيعة كل مقام؛ فهذا فيه طبيعة حزن، وهذا فيه قوة، وهذا فيه عاطفة، وغيرها من الصفات،
ثم أثناء تلاوته يجد نفسه ينساق نحو المقام المناسب لطبيعة الآيات بكل عفوية وانضباط، فهذا ما عساك أن تقول في حقه؟
هل مجرد العلم بالشيء ذنب وخطأ؟
وهل يملك المرء أن يحدد أشياء في عقله ثم ينقر (حذف) ليحذفها لأن بعض العلماء قالوا: لا ينبغي تعلم المقامات أو قراءة القرآن بها، فيصدقهم، ويكذّب المنطق والعقل؟
حسنا، هب أنه قرر التوبة من ذلك، ما الطريقة؟
فكل هذا يدلك مبدئيا على عدم منطقية التحريم المطلق، وأن من قال بذلك يدخل تحت أحد احتمالين:
الأول: أنه لا يعلم ماهية المقامات أصلا، فيفتي بغير علم بالمسألة هذه، وإن كان في الأصل عالما فقيها!
الثاني: أنه قصد بالتحريم هذا تفصيلا يفهم من السياق، وهو الانشغال وتكلف تعلم المقامات، أو ابتذال القرآن وعدم احترام قدسيته بجعله مادة لتعلم المقامات، إلى غير ذلك.
🔹القسم الثاني:
تغلغل في تعلم المقامات أولا، ثم جعل القرآن مادة لتعلم المقامات فلم يحترم قدسيته، ولعل قارئ المنشور هنا تتبادر إلى ذهنه أمثلة رآها بعينه في هذا الابتذال الذي يجعل الآيات وكأنها مقطوعة موسيقية - نسأل الله السلامة- فيرفع ويخفض وتنتفخ أوداجه مستعرضا، وهذا يضحك، وذاك يهز رأسه بحسب النغمة، وغيرها من المظاهر المقززة!
وكذلك من بالغ في ربط المقامات بمواضيع الآيات لدرجة التكلف والوسوسة والخروج عن الاسترسال في التلاوة، بل يقيم غيره من الناس بناء على ذلك، وكأن هذا الأمر جاءنا ضمن أحكام التجويد الملزمة المتلقاة!
وكذا من يشغل الناس ويفتح الباب للعوام في تسميات وعناوين المقاطع بتحديد أسماء المقامات، وجعل الأمر مطلبا قرآنيا، وكأنه علم جليل ينثره ويتكرم به على الأمة الإسلامية هنا وهناك، ولا يدري أنه يشغّب فحسب، ويشغلهم بما هو مفضول (في أحسن الأحوال) إن لم يكن أصلا خارج حساب الفضل من الأساس!
هذا القسم فعلا هو من يستحق الإنكار وتحذير الناس منه، لينصرفوا إلى القراء الكبار والمتقنين والصادقين الناصحين لكتاب الله، من يزيدونك إجلالا وحبا وخشوعا وإيمانا، لا من يجعلونك تهز رأسك طربا وتقهقه فرحا بالنغمة لا المعنى!
والله المستعان والموفق إلى كل خير.
كتبه: أبوبكر الظبي
7 شعبان 1447هـ
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


