لمْ تمرَّ هذهِ المناسبةُ ، يوماً ، على أمّةِ المُصطفى ، عالمِهم والعاميّ منهم ، إلا وتراءتْ لهم تلكَ المعجزةُ المحمديّةُ التي قلبتِ التّاريخَ ، وغيّرتْ مفاهيمَهُ .
ولقدْ كانَ منَ المحالِ ، في زمنِها ، أنْ تقومَ لأحدٍ قائمةٌ في ظلّ غطرسةِ أعظمِ دولتينِ آنذاكَ ، فكانتِ الهجرةُ هذا الحدثَ الذي غيّرَ مَجْرى التّاريخِ ، على تعبيرِ أستاذِنا المؤرّخ د.شوقي أبو خليل رحمهُ اللهُ تعالى !
ولم تكنِ الحوادثُ التي سبقتْ هذا البركانَ الإنسانيَّ الخالدَ [إلا دليلَ ذلك الزَّمنِ على أنَّهُ زمنُ نبيٍّ، لا زمنَ ملكٍ أو سياسيٍّ أو زعيمٍ ، ودليلَ الحقيقةِ على أنَّ هذا اليقينَ الثَّابتَ ليسَ يقينَ الإنسانِ الاجتماعيِّ من جهةِ قوتِهِ، بل يقينَ الإنسانِ الإلهيِّ من جهةِ قلبِهِ ] على ما يراهُ الألمعيُّ الرّافعيُّ رحمَهُ اللهُ تعالى .
وكلما تناهَتْ إلينا مشاهدُ هذهِ الانعطافةِ الإنسانيّةِ التي أنشاتْ ميلادَ النّورِ السّماويِّ في الأرضِ = تبادرَ إلى ضمائرِ أنفسِنا [ أنّها كانتْ هي الفصلَ الأولَ في كتابِ المكارمِ والمفاخرِ والأمجادِ ] على كلامِ شيخِ الأدباءِ الطنطاويّ رحمَهُ اللهُ تعالى .
وتشدّني هذهِ الذكرى شدّاً إلى هؤلاءِ الذينَ عاشوا معنى الهجرةِ ، وعرفوا فِقهَها ، وتذوّقوا أسبابَ السّعادةِ المستكنّةَ فيها ، فاستمسكوا منْ الهجرةِ بمعناها الذي يحيي فيهم سبيلَ العصمةِ ، ويزيدُ فيهم أثرَ الاجتماعِ على قلبِ الرّجلِ الواحدِ ؛ القلبِ الذي يرى الصّينيَّ المسلمَ ينزلُ منّا ، فلا يجدُ الجنسيّةَ تفصلُ بينَه ، وبينَ الشّاميِّ أو المغربيِّ !
فإنّنا ، متى استطلعْنا في أنفسِنا هذهِ الظلالَ القادمةَ معَ الهجرةِ ؛ سنزدادُ يقيناً بأنّ قريشَ التي جَهِدتْ ، بجهلِها ، لتصدَّ النّورَ القادمَ إلى الأرضِ = لنْ يستطيعَ أحفادُها في النّسبِ العدائيِّ لهذا الدّينِ أنْ يمنعوا الفجرَ العابقَ بمعنى الضياءِ ، والطّهرِ ، والسّموّ !
وكما كانَت حماقةُ قريشٍ سبباً للهجرةِ ، ففتحَ اللهُ بها باباً آخرَ للتغييرِ الشّاملِ في النّفوس ، والتّواريخِ ، والمسلّمات = سيفتحُ اللهُ ، بحماقةِ منْ شابَهَهم في غلوّهم ، أبواباً منَ الفرجِ ، والخيرِ ، والفتحِ !
كلّ ذكرى للهجرةِ ، وفي أمتنا أملٌ مسكونٌ بالعملِ ، للتَّغييرِ والنّهوض والارتقاءِ .
ا.هـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حاشية 1: كلامُ الرّافعيّ من مقالتِهِ " وحي الهجرةِ" من كتابهِ " من وحي القلمِ " ، وقصّة هذهِ المقالةِ في حياةِ الرّافعيّ 232، وقد كانتْ منْ أول ما نشرهُ في مجلة الرّسالةِ – العدد 62 سنة 1934م ، بعد مقالتهِ " فلسفة القصّة " في العدد 40 سنة 1934م .
حاشية 2 : كلامُ الشيخ الطنطاويّ منْ مقالتِهِ "سيّد رجال التّاريخ" من كتابِهِ" رجال من التّاريخ" ص 36 .
حاشية 3 : كتابُ " الهجرة حدث غير مجرى التاريخ " منَ الكتبِ النافعةِ لأستاذنا د.شوقي ابو خليل ، وهو منْ مطبوعات دارِ الفكر بدمشق .
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


