بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وبعد:
من الخصائص التي تميزت بها أمتنا الإسلامية علمٌ ابتكره أئمتنا لحفظ الدين ونصوصه، وهو علم الرواية والإسناد، والذي تمحص عن قواعد صارمة في نقد الرجال. ولكنه تمحصّ أيضاً عن الكثير من الجوانب الإيجابية التي ساهمت في حفظ الدين، وبلورته وبخاصة من خلال علم الرجال، فبرزت الكتب التي تجمع سير علماء المسلمين، فتذكر ثنايا حياتهم، وتبرز الجوانب المشرقة فيها كونهم كواكب يهتدى بنورها طلاب العلم بخاصة والمسلمين بعامة. إذ لأخبارهم أكبر الأثر في تليين القلوب، بل وفي بيان السبل الناجعة في فهم الدين وتطبيق أحكامه.
يقول الإمام الجنيد رحمه الله: الحكاياتُ جندٌ من جنود الله تعالى يثبت الله بها قلوب أوليائه، فقيل له: هل لهذا من شاهد؟ قال: شاهده قوله تعالى:" وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك".
وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: الحكايات عن العلماء ومحاسنهم أحب إلي من كثير من الفقه، لأنها آداب القوم وأخلاقهم. وشاهده قوله تعالى:" أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده". وقوله سبحانه" لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب".
وقال سفيان بن عيينة: عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمة.
ومن هؤلاء الصالحين الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله أحد من أحيا الله تعالى به الكثير من معالم الإسلام مما جعله كلمة إجماع عند أهل عصره بأنه (مجدد القرن العشرين).
لذلك لا بد لنا من إلقاء ضوء على ملامح شخصيته وملامح دعوته التجديدية.
الملامح: المشابه – بفتح الميم-. قال الجوهري-في الصحاح-: تقول : رأيتُ لمحةَ البرق، وفي فلان لمحةٌ من أبيه، ثم قالوا: فيه ملامح من أبيه، أي مَشابه. وملامح الإنسان: ما بدا من محاسن الوجه ومساويه، وقيل هو ما يلمح منه ...(تاج العروس: مادة "لمح").
والذي قصدته من الملامح: الصفات والخصائص المميزة لشخصية الإمام الشهيد رحمه الله ولدعوته، ومستند ذلك من حقائق الشرع والتاريخ.
فمن حقائق الشرع ما أخرجه الحافظ الطبراني-أبو القاسم سليمان بن أحمد المولود سنة 260هـ والمتوفى سنة 360هـ. رحمه الله- في مسند الشاميين (1/ 344 رقم 599) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "يحمل هذا العلم من كل خلف عُدُولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين".
وأخرجه البيهقي- أحمد بن الحسين، أبو بكر الحافظ، المولود سنة 384هـ. والمتوفى سنة 458هـ. رحمه الله- في السنن الكبرى (10/354 رقم 20911) بسنده عن إبراهيم بن عبد الرحمن العُذْري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يرث هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتحريف الغالين"( مرسل).
ثم ذكره مسنداً عن الثقة من أشياخ إبراهيم بن عبد الرحمن العذري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروي مثله عن عبد الله بن عمرو، وعن أبي أمامة.
ومن حقائق الشرع أيضاً ما أخرجه الإمام أبو داود في سننه- كتاب الملاحم، باب بما يذكر في قرن المائة- بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه فيما أعلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها". والحديث أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (6/324).
قال الحافظ في الفتح (13/308- كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم:(لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين...) : "لا يلزم أن يكون في رأس كل مئة سنة واحد فقط، بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطائفة وهو متّجه، فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تحديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير، ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد، إلا أن يُدَّعى ذلك في عمر بن عبد العزيز، فإنه كان القائم بالأمر على رأس المئة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير وتقدمه فيها، ومن ثم أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه، وأما من جاء بعده فالشافعي، وإن كان متصفاً بالصفات الجميلة، إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد والحكم بالعدل، فعلى هذا كل من كان متصفاً بشيء من ذلك عند رأس المائة هو المراد سواء تعدد أم لا". ا.هـ. ناقلاً إياه عن بعض الأئمة ولم يسمه.
فبناء على هذه الحقائق الشرعية كان الإمام الشهيد رحمه الله من هؤلاء المجددين الذين جاءوا على رأس المائة الرابع عشرة للهجرة، حيث كان في وقته من القائمين على الجهاد، وعلى تصحيح المفاهيم التي انحرفت فيها أفهام الناس، كما كان قائماً على أمر تغيير النفوس كمقدمة لتغيير المجتمع نحو ما يرضي الله تعالى، إضافة إلى قيامه بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر العلم النافع بين الناس وتصحيح المؤسسات الدينية والاقتصادية والسياسية والعلمية، فاستحق بهذا كله أن يكون في مقدمة المصلحين والمجددين في القرن الرابع عشر الهجري، العشرين ميلادي.. وهو أمر اجتمعت عليه كلمة كل من عرفوه من كبار زمانه وأقرانه وتلامذته. مما يُضفي عليه إلى جانب صفة المجدّد صفة الوليّ الذي جمع الله عليه قلوب الناس بعدما كانوا مختلفين متفرقين.
وفي ذلك يقول العلامة الفقيه الشيخ محمد الحامد رحمه الله:" ومن عجب أن تجد في الملتفين حوله عناصر شأنها التنافر في غير مَهْيَعَةٍ، وأن تحمل صدورُها العداءَ والكره، ولكنه جمعها على دعوة طيبة ملأتهم ألفة ومودة عميقة أطاحت بالافتراق وأطارت الخلاف".
وهذا وحده من دلائل اتصاف الإمام الشهيد رحمه الله بصفة الولي والولاية.
ذلك أن "العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة" على ما قاله العلامة عبد الرحمن بن خلدون في مقدّمته، ويعزو ذلك إلى "خلق التوحش الذي فيهم، فيصعب بذلك انقياد بعضهم لبعض للغلظة والأنفة وبُعد الهمة والمنافسة في الرياسة، فقلّما تجتمع أهواؤهم. فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية، كان الوازعُ لهم من أنفسهم، وذهب خُلُقُ الكبر والمنافسة منهم، فسهل انقيادهم واجتماعهم، وذلك بما يشملهم من الدين المُذْهِبِ للغِلْظَةِ والأنفة، الوازع عن التحاسد والتنافس.
فإذا كان فيهم النبيُّ أو الوليُّ الذي يبعثهم على القيام بأمر الله، ويذهب عنهم مذمومات الأخلاق، ويأخذهم بمحمودها، ويؤلف كلمتهم لإظهار الحق، تم اجتماعهم، وحصل لهم التغلب والملك".
هذا كله يدفعنا إلى الاعتقاد بتمتع شخصية الإمام الشهيد بصفات الوليّ لله تعالى، يدعم ذلك المؤيدات الآتية:
1-الرعاية الإلهية: تميّزه على أقرانه منذ طفولته، وذلك بشهادة والده رحمه الله، العلامة المحدّث الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا المعروف بالساعاتي، حيث يقول:" تعهّد الله ولدي بعنايته منذ صغره، وحفظه بعنايته من كل ما يضره ويؤذيه".
ثم يعدّد مجموعة من الحوادث وقعت لابنه كانت عناية الله تعالى حارسة له فيها، منها:
1- أنه "عرضت له حيّة وهو في مهده" قال والده " فاستعنت الله تعالى فصرف أذاها عنه".
2- ومنها أنّه " خرّ عليه السقف في أول منزل لنا ببلدة المحمودية- وكان معه أخوه عبد الرحمن- فأنجاهما الله تعالى بأن علِق السقف على السلم، وحماهما بسلم البيت الذي لم يبلغ أكبرهما طوله بعد، وظل ولدي تحت السقف حتى رفعت الأنقاض، وأكرم الله به أخاه فخرجا سالمين.
3-وأحاطت به ذات يوم كلاب تنبحه حتى روّعته، فألقى بنفسه في ترعة تسمّى الرشيدية- وكانت تصطخب بمياه النيل وقت فيضانه- فألقاه اليمّ بالساحل، والتقطته سيدة من سيدات البلدة، ونجاه الله تعالى من الغرق بفضله ومِنَّتِه.
ومن ملامح نبوغه وتميزه رحمه الله أنه كان سابقاً لعمره في مستوى الفهم والإدراك، وكان هذا النبوغ ظاهراً جلياً فانعكس على مسيرته العلمية حيث طوى أكثر من أربعة مراحل تعليمية، وهي ما يُعرف في أيامنا بالإجازة العامة "الليسانس" حيث انتقل من المرحلة الثانوية إلى الدراسات العليا "الدبلوم" مباشرة.
والذي يخبرنا عن هذا النبوغ أيضاً " والده" رحمهما الله، يقول:" لم تكن نشأة ولدي نشأة عادية، فمنذ تفتحت طفولته، تفتحت معها قريحته، وبدأ يسأل عن الكون وصانعه، والقمر ومبدعه، ولمحتُ فيه نجابة مبكرة، فحفّظته القرآن، وعلمته السنة، وأدبته أدباً جمّاً".
وهذا هو المنهج الإسلامي السليم والصحيح، بل "المنهج الفطري السليم" الذي يبني شخصية الفرد وينميها، وهو المرحلة التعليمية الأولى التي يجب أن يمر بها الطالب للعلم...
ثم بعد هذه المرحلة ينتقل إلى استكمال بقيّة الجوانب. وهكذا كان الحال مع إمامنا الشهيد رحمه الله، فبعد إنجازه لهذه المرحلة، فما مرت عليه أربع عشرة من السنين إلا وقد أتم حفظ القرآن الكريم مع جانب كبير من الأحاديث النبوية، وأمهات المنظومات في العلوم الشرعية، ثم انتقل بعدها سنة 1920م إلى دار المعلمين الأولية في دمنهور، ومدّة الدراسة فيها ثلاث سنوات.
يقول والده عن هذه المرحلة:" ولما ألحقته بمدرسة المعلمين الأولية ببلدة دمنهور أظهر تفوّقاً عجيباً، ونشأ على الصلاح والزهد والعبادة، وكان أول فرقته في كل مراحل تعليمه".
هذا التفوق وصل به إلى تخطي زملائه في الدراسة، فقُدِّم للالتحاق بالقسم العالي بدار العلوم 1923م. مختزلاً بذلك أربع سنين دراسية كاملة هي مدّة الدراسة التجهيزية بدار العلوم، فانتسب إلى القسم العالي، يقول والده:"
وقصد القاهرة لا يعرف فيها أخاً ولا صديقاً، ونزل ضيفاً على الله في بيته، فأقام في الجامع الأزهر، ولما تخرج في دار العلوم، كان أول فرقته في امتحان الدبلوم".
في المرحلة التي أمضاها إمامنا رحمه الله في مدرسة المعلمين الأولية في دمنهور وتمتد من سنة (1920م) إلى سنة (1923م.) وسِنّهُ بين الرابع عشرة والسابع عشرة، كيف كان يمضي بقية أوقاته خارج دوام الدرس؟
- كان متأثراً ابتداءً بأساتذته الكبار الذين يتلقى على أيديهم العلوم فيظهر لهم احتراماً منقطع النظير، كما كان متأثراً بالطريقة الصوفية الحصافية، وكان يحضر مجالس العلم في بلدته، ويأخذ نفسه بالتهذيب والتأدّب أخذاً شديداً... هذا كله مع العمل مع أبيه في دكان الساعات.
ففي فترة الظهر التي تفصل بين فترتي تعليم صباحية ومسائية، التي يستغلها الطلبة للراحة والأكل، وربما للقيلولة، لم يكن الإمام رحمه الله يذهب إلى البيت، ولكنه كان يقضي هذه الفترة في المصلّى وفناء المدرسة لدعوة الزملاء إلى الصلاة، حتى إذا أُديت الفريضة يقول الإمام:" جلستُ مع صديق نقرأ القرآن معاً، أنا أسمع وهو يقرأ، أو أنا أقرأ وهو يسمع حتى يجيء موعد الدخول".
وفي أيام العطل كان يُشغل الوقت بالعمل والعبادة، يقول:" تقدّمت في صناعة الساعات وفي صناعة التجليد، فكنت أقضي فترة النهار في الدكان صانعاً، وفترة الليل مع إخوان الحصافية ذاكراً".
ولننصت إليه وهو يتحدث عن سير أيامه ولياليه عند رجوعه من المدرسة وكان الدوام فيها من السبت إلى ظهر الخميس، ثم يعود إلى بلدته للراحة نصف الخميس ويوم الجمعة، فكيف كان يقضي هذا النهار ونصف؟
يقول:" كنت أنزل من قطار الدلتا (يوم الخميس عائداً من دمنهور) إلى الدكان مباشرة، فأزاول عملي في الساعات إلى قبيل المغرب، حيث أذهب إلى المنزل لأفطر، إذ من عادتنا صوم الإثنين والخميس، ثم إلى المسجد الصغير بعد ذلك للدرس والحضرة، ثم إلى منزل الشيخ للمدارسة والذكر، ثم إلى المسجد لصلاة الفجر، وبعد ذلك استراحة يعقبها الذهاب إلى الدكان وصلاة الجمعة، والغداء والدكان إلى المغرب، فالمسجد فالمنزل، وفي الصباح إلى المدرسة.
ويقول: في ليلة الجمعة بعد الحضرة نتدارس كتب التصوف مع الأحياء وجامع أصول الأوليات، واليواقيت والجواهر، وغيرها، ونذكر الله إلى الصباح، وكانت تلك من أقدس مباهج حياتنا".
أما الإجازة الصيفية فيصور عمله خلالها على هذا النحو:
" مذاكرة في الإجازة صباح كل يوم من طلوع الشمس تقريباً إلى الضحوة الكبرى مع أستاذنا (محمد خلف نوح) في منزله، حيث بدأنا بألفية ابن مالك نحفظها معاً، ونقرأ عليها شرح ابن عقيل، ونتدارس معها كتباً أخرى في الفقه والأصول والحديث، وكنا نطلب العلم لمجرد العلم.
وكنا نوقظ الناس لصلاة الصبح قبل الفجر بقليل، وكنت أجد سعادة كبرى وارتياحاً غريباً حيث أوقظ المؤذنين لأذان الصبح، ثم أقف بعد ذلك في هذه اللحظة السحرية الشاعرية على شاطئ النيل، وأصغي إلى الأذان ينطلق من حناجرهم في وقت واحد، إذ كانت المساجد على مسافات متقاربة في القرية.
ويخطر ببالي أنني ساكون سبباً ليقظة هذا العدد من المصلين، وأن لي مثل ثوابهم مصداقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:" من دعا إلى هدى فله أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً". وكان يضاعف هذه السعادة أن أذهب بعد ذلك إلى المسجد فأرى نفسي أصغر الجالسين فيه- في هذا الوقت- سنّاً، فأحمد الله وأسأله أن يديم التوفيق.
إن حضور الإمام لمجلس شيخه في التصوف صَبَغَهُ بصبغة أدبية لم تفارقه في كل حياته بشهادة كل من تعامل معه من موافق أو مخالف. وقد كان لبعض المجاهدات التي أخذوا أنفسهم بها أثرٌ في ذلك، منها ما أخبر عنه الإمام بقوله:" كانت لنا أيام ننذر فيها الصمت والبعد عن الناس، فلا يتكلم أحدنا إلا بذكر أو قرآن، وكنا نفعل هذا الصمت تأديباً للنفس وفراراً من اللغو وتقوية للإرادة حتى يتحكم الإنسان في نفسه ولا تتحكم فيه.
ولكن هذه المجاهدة وهذا التأديب لم يمنعه من الدفاع بأدب رفيع عن فكرة اعتقدها، أو مسلك ارتضاه، حتى لو كان المنتقد مدير التعليم في الناحية كلها.
ويحدث رحمه الله عن قصة حصلت معه في مدرسة دمنهور للمعلمين تدل على ثقته بنفسه وجرأته الأدبية، فيخبر أنه كان يلبس عمامة ذات عذبة، ونعلاً كنعل الإحرام في الحج، ورداءً أبيضاً فوقه الجلباب.
قال: فسألني مدير التعليم في زيارة للمدرسة: لماذا ألبس هذا الزيّ؟ فقلت: إنه السنة، فقال: وهل عملت كل السنن ولم تبق إلا سنّة الزي؟ فقلت: لا، ونحن مقصرون كل التقصير، ولكن ما نستطيع أن نفعله نفعله، فقال: ولكن بهذا الشكل أنت خرجت على النظام المدرسي!.
فقلت له: ولم يا سيدي؟! إن النظام المدرسي مواظبة، وأنا لم أغب عن الدروس أبداً، وسلوك وأخلاق، وأساتذتي راضون عني والحمد لله، وعلمٌ ودراسة، وأنا أول فرقتي. فأين الخروج على النظام المدرسي إذن؟
فقال: ولكنك إذا تخرجت وأصررت على هذا الزي فلن يسمح مجلس المديرية بتعيينك مدرساً حتى لا يستغرب التلاميذ هذا المظهر.
فقلت: على كل حال هذا لم يجئ وقته بعد، وحين يجيء يكون للمجلس الحرية، ويكون لي الحرية كذلك، والأرزاق بيد الله وليس بيد المجلس ولا الوزارة.
فسكت المدير وتدخل الناظر في الأمر فقدّمني إلى المدير بكلمة طيبة وصرفني فانصرفت.
ومن ذلك أيضاً حرصه على أداء أذان العصر في الصف لأنه يحين وهو في حصة الدرس، فكان يقوم ويستأذن في أداء الأذان، وكان بعض المدرسين يريد المحافظة على النظام، فيقول له الإمام: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ويناقشه مناقشة حادّة حتى لا يرى منها بداً من السماح، حتى يتخلّص منها ومني.
هذه الملامح التي امتازت بها شخصية الإمام الشهيد رحمه الله صغيراً جعلته إماماً ومرشداً في مرحلة رجولته حتى صار كلمة إجماع، وشهد له بذلك الكبار والأقران، وهي من حقائق التاريخ التي جعلت لإمامنا رحمه الله تلك المكانة الإيمانية والجهادية المرموقة، ولعل كتاب " مذكرات الدعوة والداعية" له، هو المفتاح الرئيسي " لفهم دعوته وشخصيته، وفيه يجد القارئ منابع قوته ومصادر عظمته، وأسباب نجاحه، واستحواذه على النفوس".
وقد تكلم الداعية الكبير السيد أبو الحسن الندوي (مولده سنة 1333هـ. 1914م. وفاته 1420هـ. 1999م.) رحمه الله عن هذه الملامح للدعوة والداعي، فيعدد منها:
سلامة الفطرة، وصفاء النفس، وإشراق الروح، والغيرة على الدين، والتحرق للإسلام، والتوجع من استشراء الفساد، والاتصال الوثيق بالله تعالى، والحرص على العبادة، وشحن (بطارية القلب) بالذكر والدعاء والاستغفار، والخلوة في الأسحار، والاتصال المباشر بالشعب وعامة الناس في مواضع اجتماعهم ومراكز شغلهم وهواياتهم، والتدرج ومراعاة الحكمة في الدعوة والتربية، والنشاط الدائم والعمل الدائب.
وهذه الخلال كلها هي أركان دعوة إسلامية ربانية، وحركة دينية تهدف إلى أن تحدث في المجتمع ثورة إصلاحية بناءة، وتغير مجرى الحوادث والتاريخ". (من كلام الداعية الكبير السيد أبي الحسن الندوي رحمه الله في الإمام).
وإذا أردنا أن نتعرف على ملامح هذه الشخصية بشكل أعمق وبكلمات قليلة، فلا بد من سماع ما قاله فيه معاصروه ممن هم أسنّ منه، وممن هم يوازونه ويماثلوه.
فمن الكبار الذين تأثّروا بالإمام الشهيد سماحة مفتي فلسطين الأكبر الحاج محمد أمين الحسيني، فقد كتب في رثائه كلمة ضافية، ومما جاء فيها:" برز المرحوم الشيخ حسن البنا في وسط الشعب المصري المؤمن كما تبرز الشمس من بين السحب الداكنة، داعياً أمته وبلاده والمسلمين جميعاً إلى العمل بالقرآن الكريم، وتطبيق أحكامه السامية وآدابه الرفيعة، والاستمساك بسنة النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم في كل شأن من شؤونهم الخاصة والعامة، وإلى تربية الشباب تربية إسلامية على أساس العقيدة الصحيحة، والسلوك الفاضل الحميد..
وقد عرفته للمرة الأولى من كتاب أرسله إلي عام 1346هـ. الموافق سنة 1927م. ( )، ثم توالت أخبار نشاطه وجهوده النافعة لخدمة الإسلام... لقد كان من أبرز صفاته الإخلاص الشديد، والعقل الرشيد، والعزم القوي، يزين ذلك كلّه إيمان قوي، وأخلاق محمدية كريمة جميلة قلما اجتمعت لأحد، في علو همة، وإيثار وتضحية، وصبر، وتقشف في الحياة، وعزوف عن مطامع الحياة المادية، وسيرة نقية، طاهرة جعلت منه قدوة حسنة لكل من اتصل به وعرفه.
أضف إلى ذلك: نظرة سليمة، وذكاء نافذاً، وألمعية باهرة، مع رزانة في التفكير، وبراعة في التنظيم، ودأب على العمل يضرب به المثل، ولقد زرته في بيته في (الحلمية الجديدة) فاسترعى نظري ما عليه البيت المتواضع من بساطة في أثاثه، وجميعُ حاله يدل على التقشف والقناعة..
كان – رحمه الله- حريصاً على جمع كلمة المسلمين، وإعزاز أخوة الإسلام، وتوثيق الروابط فيما بينهم للتعاون على البر والتقوى وتحقيق ما فيه رفعة شأنهم، وكان يرى أن وطنه هو الوطن الإسلامي الأكبر...
لقد كان فَقْدُ الشهيد المرحوم الشيخ حسن البنا خسارة فادحة جداً على الإسلام والمسلمين، هيهات أن نجد عليه عزاءً وعوضاً..
هيهات أن يأتي الزمان بمثله إنّ الزمان بمثله لبخيل." انتهى
وتحت عنوان" الإئمة في مختلف العهود كانوا أعلام دين وسياسة" كتب مفتي الديار المصرية السابق العلامة الشيخ حسنين مخلوف (مولده سنة 1308هـ. 1890م. ووفاته سنة 1410هـ. 1990م.) رحمه الله كلمة في رثاء الإمام يقول فيها:
"الشيخ حسن البنا- أنزله الله منازل الأبرار- من أعظم الشخصيات الإسلامية في هذا العصر، بل هو الزعيم الإسلامي الذي جاهد في الله حق الجهاد، واتخذ لدعوة الحق منهاجاً صالحاً وسبيلاً واضحاً، استمده من القرآن الكريم والسنة النبوية ومن روح التشريع الإسلامي، وقام بتنفيذه بحكمة وسداد وصبر وعزم، حتى انتشرت الدعوة الإسلامية في آفاق مصر وغيرها من بلاد الإسلام واستظلّ برايتها خلق كثير..
كان قوي الأمل في مجد الإسلام وعزة المسلمين إذا اعتصموا بحبل القرآن الكريم المتين، واتبعوا هدي النبوة الحكيم، وعالجوا مشاكلهم الاجتماعية والسياسية وغيرها بما شرعه الله في دينه القويم..
فقد أخذ – رحمه الله – على نفسه عهداً أن يرشد العامة إلى الحق، وينشر بين الناس هذه الدعوة، وينظم طرائقها ويعبر سبلها، ويربي الناشئة تربية إسلامية تنزع من نفوسهم خواطر السوء وأخطار الهواجس، وتعرّفهم بربهم وتدنيهم من دينهم الذي ارتضاه الله لهم، فكان له ما أراد، وتحمل في ذلك من المشاق والمتاعب ما لا قبل باحتماله إلا للرجل الصبور والمؤمن الغيور الذي يبغي رضاء ربه بما يعمل، ويشعر بدافع نفسي قوي إلى إنقاذ أمته من شر وبيل وذل مقيم." انتهى.
وتحت عنوان " فكرة تحيا في رجل..." كتب الأستاذ البهي الخولي عن الإمام البنا ودعوته، وعن المثل العليا التي امتاز بها وامتازت بها دعوته وعن الصدق في الطرح وفي الالتزام، فمما قاله:
" ... كانت زهرة الحياة الدنيا تتضاءل وتتقلص أمام عينه إلى جانب ما يفيض عليه في هالة من سعادة رزق الله، فكان زهده في دنيا المادة لا يعدله إلا زهد أهل المادة فيما لديه من مُثُل شريفة، ولقد عرضت الدنيا نفسها عليه وجاءته خاطبة، وواتته الظروف ولكن هيهات أن تروج هذه الأوهام في نفس مشغولة زاخرة بالحقائق النفسية العليا...
كان حسن البنا فكرة قوية هائلة، والفكرة لا تبغي مالاً، ولا تسعى لعرض زائل، لذا رأيناه يحيا بيننا حياة الطيف الخفيف، يلم الدنيا على هوادة، لا يجمع منها ولا يمنع، ولا يهتم لشيء فيها إلا بمقدار، ولا يصيب منها إلا ما تدعو إليه الضرورة، يأكل ما حضر من الطعام، ويلبس ما تيسر من اللباس، ويتخذ ما قل وكفى من السكن، ويعيش عيشة الكفاف، ولا يهمه أن يترك بنيه لله ولا شيء معهم، وكل قرّة عينه وبهجة نفسه أن ينادي في الناس بكلمة الله، ويعلن إليهم ما في صدره من الأسرار، وأن يرى فضائل فكرته ومثلها العليا حقائق واقعة، وصوراً عملية تسعى في حياة الناس على قدمين...
وحين طُلِبَ من العلامة الفقيه الشيخ محمد الحامد الحموي رحمه الله أن يكتب كلمة في رثاء شيخه الإمام الشهيد، قال:" وما الذي يكتبه عاجز مثلي ضعيف الجنان والبيان في عظيم قد استجمع العظمة، فما من جانب من جوانبها إلا وهو فيها طود أشمّ، أو روض زاهر، أو خضم زاخر، أعجز الناس سبقاً في خصوصياتهم، فبزّ الفقهاء في دقة النظر وصحة التصوير، والأدباء في حسن البيان وجمال التعبير، والخطباء في النفوذ إلى الأرواح وملئها تأثراً بما يريد، والمتوسمين في صدق الفراسة وجودة النظر، والمفكرين في سعة أفق التفكير، فلا ضيق عطن، ولا وعورة فكر، بل حلٌ للمستعصيات، وفتح للمغلقات في سهولة ممتنعة تُخال قريبة وهي عن غيره بعيدة.
ومن عجب أن تجد في الملتفين حوله عناصر شأنها التنافر في غير مهيعة، وأن تحمل صدورها العداء والكره، لكنه جمعها على دعوة طيبة ملأتهم ألفة ومودة عميقة أطاحت بالافتراق وأطارت الخلاف..." انتهى.
هكذا كان الإمام الشهيد في عيون الكبار من معاصريه وأقرانه، وهو ما هيأه للعب دور المجدد في حياة المسلمين، ودور القطب الذي تجتمع حوله سائر التوجهات..
وقد شمل التجديد في دعوته سائر الساحة الإسلامية.
والتجديد ليس أن يؤتى بأفكار جديدة ليست من ثوابت الدين في شيء وتُقدّمَ على أنها الثوب العصري للدين..
وإنما التجديد هو إصلاح ما فسد من الثوابت والقواعد التي يقوم عليها الدين، وقد حدّد الحديث الشريف مجال التجديد، ودور المجدّد في أنه ينفي عن الدين تأويلات الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتحريفات الغلاة. وهذا ما فعله إمامنا رحمه الله.
وحتى لا يطول بنا المقام كثيراً سأركز على جانب يعتبر الأهم في حياة المسلمين، وفي نفس الوقت هو الأصعب، وهو الجانب العلمي، وكيف أنه استطاع أن يقيمه رحمه الله ويوفِّق بين الذين تشعبت بهم سبل العلم. وكثير منهم صدق فيهم قول الله عزّ وجل: (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ).
فكل صاحب فكرة، وكل متبع نحلة أقام على ما ذهب إليه وأنزله منزلة قطعيات العلم، فحجّم كثير منهم الشريعة، وجعلوها تابعة لأفكارهم بدل أن تكون أفكارهم محكومة بالشريعة.
وشعوراً منه بالمسؤولية وجَّه خطاباً إلى شيخ الأزهر في وقته الشيخ محمد مصطفى المراغي- المولود سنة 1298هـ/ 1881م. والمتوفى سنة 1364هـ/ 1945م. رحمه الله ومما قاله فيها:
" فكرت طويلاً في هذا الخلاف العلمي بين الجماعات الإسلامية في مصر أولاً ثم في بلدان العالم الإسلامي ثانياً، وتلمست طويلاً السبيل إلى جمع القلوب حول هدف أسمى، تلتقي عنده الأرواح المؤمنة وتتجه إليه الجهود العاملة، وتقوم على أساسه النهضة المنتظرة.
إن الإسلام دين وحدة واجتماع، وكل آيات القرآن الكريم وكل أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فياضة بمعنى الوحدة والدعوة إلى الوحدة، وبيان أن المؤمنين أخوة وأن بعضهم أولياء بعض، وما كان المسلمون الأولون أقوياء إلا بهذه الدعوة الشاملة التي جمعت قلوبهم وعقولهم حول هدف واحد، فتوحدت بذلك مظاهرهم وأعمالهم وجهودهم، وكانت حياتهم مثلاً رائعاً للأمة الواحدة".
ثم أخذ يشرح طبيعة الشريعة وما فيها من مرونة ومجال للاجتهاد والنظر، وأن هذا لا يفسد للود قضية، وإنما يصبح مذموماً عند التعصب للرأي دون دليل، وما يخلفه ذلك من ضرر في الأمة، حتى قال:
" ومن الخلاف ما يتصل بالعقيدة وصميمها، وأغلب ما بين الجماعات الإسلامية في مصر خاصة من هذا النوع، مصدره عدم تحديد العبارات وعدم تعرف المقاصد جلياً، والجمود على عبارات ومصطلحات لم يتعبدنا الله بالجمود عليها، وأعتقد لو حددت العبارات وتعرف كل فريق مقاصد الآخر، ولم نتقيد بعبارات ومصطلحات خاصة ما دام المعنى المقصود سليماً، أعتقد أننا لو فعلنا ذلك وحاولنا التقريب بين وجهات النظر لاستطعنا الجمع بين الآراء المتنافرة والفكر المتخالفة، ولوصلنا إلى نتيجة محمودة أقلها أن نخرج من حيّز ( كفر وإيمان) إلى حيّز (خطأ وصواب)، وبذلك تظل الأخوة قائمة والوحدة مجتمعة".
ثم وضع بنوداً عشرةً رأى أنها تقرب إلى أقصى حد وجهات النظر المختلفة وقدّمها لفضيلة الإمام الأكبر، وهيئة العلماء في الأزهر، ثم إلى رجال الفكرة الإسلامية فرادى وجماعات، وهي ما عرف بعد ذلك "بالأصول العشرين" لفهم الشريعة الإسلامية، وقد اعتبرت عند كثير من العلماء دستوراً للوحدة الثقافية بين المسلمين، وهي حتى يومنا هذا لا تزال ورقة علمية منضبطة تطرحها حركة الإخوان المسلمين لضبط الساحة العلمية وجمع كلمتها وتوحيد توجهاتها وفق رؤى شرعية واضحة بعيداً عن أيّة عصبية...
أولاً: الإسلام نظام اجتماعي شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً.
ثانياً: القرآن الكريم والسنة المطهرة مرجع كل مسلم في تعرف أحكام الإسلام، ويفهم القرآن طبقاً لقواعد اللغة العربية من غير تكلف ولا تعسّف، ويرجع في فهم السنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات، ومردّ القياس والإجماع إلى هذين الأصلين.
ثالثاً: ورأي الإمام ونائبه- فيما لا نص فيه، وفيما يحتمل وجوهاً عدّة، وفي المصالح المرسلة- يُعمل به، ما لم يصطدم بقاعدة شرعية، وقد يتغير بتغير الظروف، وهذا الحق ثابت لأهل الحل والعقد كذلك.
رابعاً: وكل أحد يؤخذ من كلامه ويُترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم، وكل ما جاء عن السلف رضوان الله عليهم موافقاً للكتاب والسنة قبلناه، وإلا فكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أولى بالاتباع، ولا نعرض للأشخاص فيما اختلف فيه بطعن أو تجريح، ونكلهم إلى نياتهم، فقد أفضوا إلى ما قدّموا، وكل مسألة لا يبنى عليها عمل فالخوض فيها من التكلف الذي نهينا عنه شرعاً، ومن ذلك كثرة التفريعات للأحكام والخوض في معاني الآيات القرآنية الكريمة التي لم يصل إليها العلم بعد، والكلام في المفاصلة بين الأصحاب رضوان الله عليهم وما شجر بينهم من خلاف، ولكل منهم فضل صحبته وجزاء نيته، وفي التأول مندوحة.
خامساً: ولكل مسلم لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الفرعية أن يتبع إماماً من أئمة الدين، ويحسن به مع هذا الاتباع أن يجتهد ما استطاع في تعرف أدلة إمامه، وأن يتقبل كل إرشاد مصحوب بالدليل متى صح عنده صدق من أرشده وكفايته، وأن يستكمل نقصه العلمي إن كان من أهل العلم حتى يبلغ درجة النظر. والخلاف الفقهي في الفروع ليس سبباً في التفرقة في الدين، ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء، ولكل مجتهد أجره، ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب المقيت، ورأي القاضي يرفع الخلاف.
سادساً: وكل بدعة في دين الله لا أصل لها استحسنها الناس بأهوائهم – زيادة فيه أو نقصاً منه- ضلالة تجب محاربتها والقضاء عليها بأفضل الوسائل حتى لا تؤدي إلى ما هو شرٌ منها، والبدعة الإضافية والتركية والالتزام في العبادات المطلقة خلاف فقهي لكل فيه رأيه وتتمحص الحقيقة بالدليل والبرهان.
سابعاً: ومعرفة الله تبارك وتعالى وتوحيده وتنزيهه أسمى عقائد الإسلام، وآيات الصفات وأحاديثها الصحيحة وما يلحق بذلك من المتشابه نؤمن بها كما جاءت من غير تأويل أو تعطيل، وندع علم حقائقها لله تعالى، ولا نتعرض لما جاء فيها من خلاف بين العلماء، ويسعنا ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا).
ثامناً: ومحبة الصالحين واحترامهم والثناء عليهم بما عرف من طيب أعمالهم قربة إلى الله تبارك وتعالى، والأولياء هم المذكورون في القرآن: (الَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) والكرامة ثابتة لهم بشرائطها الشرعية مع اعتقاد أنهم رضوان الله عليهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً في حياتهم وبعد مماتهم، فضلاً عن أنهم يهبوا شيئاً من ذلك لغيرهم.
وزيارة القبور أياً كانت مشروعةٌ بالكيفية المأثورة، ولكن الاستعانة بمن فيها أياً كانوا، ونداءهم لذلك، وطلب قضاء الحاجات منهم من قرب أو بعد، والنذر لهم، وتشييد القبور وسترها وإضاءتها والتمسح بها، والحلف بغير الله، وما إلى ذلك، كبائر تجب محاربتها، ولا نتأول لهذه الأعمال سداً للذريعة، والدعاء إذا قُرن بالتوسل إلى الله بأحد من خلقه خلافٌ فقهي في كيفية الدعاء وليس من مسائل العقيدة.
وللإيمان الصادق والمجاهدة نورٌ وحلاوة يقذفها الله في قلب من شاء من عباده، ولكن الإلهام والخواطر والرؤى ليست من أدلة الأحكام الشرعية، إلا إذا وافقها نص صريح.
والتمائم والرقى والودع والرمل والعرافة والكهانة وإدعاء معرفة الغيب، وكل ما كان من هذا الباب منكرٌ تجب محاربته، إلا ما كان من آية أو رقية مأثورة.
تاسعاً: ولا نكفر مسلماً أقر بالشهادتين وأدّى الفرائض برأي أو معصية إلا إن أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، أو كذّب صريح القرآن، أو فسّره على وجه يصدم قواعد الإسلام، ولا تحتمله أساليب اللغة العربية، أو عمل عملاً لا يحتمل تأويلاً إلا الكفر.
عاشراً: والإسلام يحرر العقل ويحث على النظر في الكون، ويرفع قدر العلماء، ويرحب بالصالح النافع من كل شيء، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، والنظر الشرعي والعقلي لن يختلفا في القطعي، فلن تصطدم حقيقة علمية صحيحة بقاعدة شرعية ثابتة، ويؤوّل الظني منها، فإن كانا ظنيين فالنظر الشرعي أولى بالاتباع " . انتهى
فهذه رسالة من مثيلاتها وجهها إلى الزعماء السياسيين سواء كانوا في الحكم أم في المعارضة، يعرض فيها للم
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


