هذه نصيحة أبديها، وتحفة أهديها، لإخوتي أهل العلم عامّة، وأهل القرآن خاصّة، حول الوقوف العشرة المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى جبريل عليه السلام، وبعضهم جعلها سبعة عشر وقفا، وزعموا أن جبريل كان يقف عليها ويعلمها النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وهذه النسبة والحديث الوارد بذلك، لا يصح البتة، بل لا أصل له، ولا سند له، ولا وجود له، فوجب تبيان ذلك، ذبًّا عن حمى حبيبنا ونبينا صلى الله عليه وسلم أن ينسب له حديث لم يقله، وذودًا عن مقام جبريل عليه السلام أن ينسب له نقل شيء عن ربه، وهو لم يفعل، بل دفاعًا عن حمى رب العالمين، وعن كتابه العظيم، أن ينسب إليه شيء من دون سند، ومن دون برهان، ومن دون حجة.
فنقول:
1- هذا خبر نقلي، وكل خبر فلا بد له من إسناد صحيح أو حسن (ويقبل السند الضعيف ضعفًا يسيرًا في الزهد والرقائق والمناقب) إلا المتواتر فإنه لا يحتاج إلى إسناد خاص.
وهذا الحديث في نسبة الوقوف العشرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى جبريل، لا أصل له، ولا وجود له البتة، ولم يرد بإسناد صحيح، ولا حسن، ولا ضعيف، فليس ليس إسناد أصلا ،وإنما هو شيء مخترع في القرون الأخيرة، وتلقفه بعض أهل العلم ممن ليس له خبرة بالصحيح والضعيف.
وخير كلام يعبر عما قلت، هو قول العلامة المقرئ الشيخ عبد الفتاح القاضي رحمه الله (ت1403):
(وسُمي الوقف في هذه المواضع وقف السنة، ووقف جبريل، ووقف الاتباع، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتحرى الوقف في هذه المواضع دائمًا.
هكذا قالوا!!.
ولكن مع التنقيب البالغ، والبحث الفاحص، في شتى الأسفار ومختلف المراجع، من أمهات الكتب في علوم القرآن، والتفسير، والسنة، والشمائل، والآثار ـ لم أعثر على أثر صحيح أو ضعيف يدل على أن الوقف على جميع هذه المواضع أو بعضها من السنة العملية أو القولية.
ولعلنا بعد هذا نظفر بما يبدد القلق، ويريح الضمير)
انتهى كلام الشيخ عبدالفتاح القاضي، وهو كلام فصل في الموضوع، فهذا الخبر لم يوجد في كتب السنة وما أكثرها، ولم يوجد في كتب التفسير، ولا كتب علوم القرآن، ولا في سواها من كتب الفنون الشرعية، على مدى دهور مديدة، وقرون طويلة، عشرة قرون، وأهل العلم لم يسمعوا بها، وإنما هو شيء اخترع في القرن العاشر أو الحادي عشر، ثم تلقفه بعض أهل العلم ممَّن لا خبرة له بالصحيح والضعيف، كالأشموني في منار الهدى، ثم تتابع بعض أهل العلم من بعده على ذلك، دون تحقيق في صحة الخبر، ودون تدقيق في مصدره الأول! وتابعهم على ذلك بعض المعاصرين!
إلى أن جاء العلامة الأستاذ عبدالفتاح القاضي رحمه الله تعالى، فشفى بكلامه، ووضع الأمر في نصابه.
وفي الرسالة الثانية سأذكر -إن شاء الله- كلامَ الأشموني في منار الهدى، المشتملَ على تفصيل الوقوف العشر، والسبعة عشر، ونسبتِه هذا الكلام للإمام السخاوي، وأتعقبه في أنه لم يقله السخاوي رحمه الله تعالى.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


