كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الذهاب إلى جنيف 2 وأهمية ذلك من عدمه، وهناك من سحب مشروعية من يذهب وآخرون اعترضوا وغيرهم وافقوا بشروط وغيرها العديد من التسريبات التي يختلط فيها الصحيح بالمسموم لإثارة الرأي العام، في إشارة واضحة إلى حجم الاختلاف والخلافات فيما يتعلق بالمؤتمر وأهدافه.
من المعلوم والنافل قوله أن السوريين يريدون حلا لما يمرون به، فلا أحد يرغب باستمرار الأوضاع على ماهي عليه مع استمرار القتل اليومي والمعاناة ونزوح وتهجير الملايين، كما لا يريدون الاستمرار فقط من أجل أن يقال هنا ثورة، فالثوار لديهم أهداف وأجندة واضحة تتعلق بإزاحة نظام القتل والإجرام الجاثم على صدورهم.
ولكن لأن السوريين خبروا على مدى سنتين ونصف حجم الخذلان ممن ادّعوا أنهم مناصرين لهم سواء من محيطهم العربي أو الغربي، وكذلك الإحباط الذي أصاب كثيرين بسبب أداء الائتلاف الوطني الذي عُول عليه كثيرا عند تأسيسه وخاصة فيما يتعلق بتحقيق مطالب الثورة.
لذلك فإن البواعث النفسية وعدم الثقة بالحلفاء أساسا ناهيك عن عدم الثقة بالعدو الذي لا يلتزم بميثاق أو عهد هو ما يجعل الرأي العام غير مهيأ لقبول حتى فكرة مناقشة التوجه إلى مفاوضات، فالراعي الرسمي لهذه المفاوضات هو الولايات المتحدة التي طالما اعتبرت نفسها مناصرة للمظلومين في سوريا والتي قالت قبل أكثر من سنة ونصف أنه يجب على الأسد أن يرحل ثم لم تفعل أي شيئ لتحقيق ذلك، وكذلك طالما وعدت بزيادة حجم التسليح كما ونوعا ثم يفاجئ الجميع بأن الولايات المتحدة هي من تعطل تسليح الثوار وصولا إلى الخطوط الحمراء المتعلقة بالكيماوي والتي مافتئت بإعادتها على أسماعنا صباح مساء محذرة تارة ومتوعدة تارة أخرى، حتى تم استخدامه وراح ضحيته ما يزيد عن 1400 معظمهم من الأطفال ثم ما لبثت أن أزالت الخطوط الملونة لمصلحة عقد اتفاق يتعلق بتفكيك ترسانة الأسد الكيماوية لمصلحة حليفها الأقرب "إسرائيل" وكأنه لم يمت مئات الأشخاص وكأن تفكيك الترسانة بديل عن محاكمة من استخدمه أو مكافأة لخدماته.
والأمر لم يكن أفضل حالا بالنسبة للعرب الذين لم يوفوا بأقل المنتظر منهم، فحتى بالأمور الإنسانية لم ينجزوا ماكان متوقعا منهم فاللاجؤون السوريون يعيشون في مخيمات اللجوء العربي أسوء أوضاعهم، ناهيك عن رفض ومنع العديد من الدول استقبالهم.
أما داخليا إن صح التعبير على مستوى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة فلم يكن الحال أفضل، فبعد تأسيس المجلس الوطني السوري بهدف العمل على تحقيق أهداف الثورة وتسويق أهدافها وركائزها في المحافل واللقاءات الإقليمية والدولية كانت النتائج توشي بالفشل الذريع، ثم تم تدجين المجلس الوطني ليتم تأليف الائتلاف الذين استبشر السوريين بهم الخير ورحبوا بتأسيسه على أمل أن يعمل بصدق على حمل هم الثورة والثوار لكن هذا ما لم يحصل شيئ منه فكان الائتلاف نسخة مطابقة للمجلس الوطني في المضمون وبيروقراطية العمل وانتشار الفساد والمحسوبيات ماوضع معنويات الثوار والرأي العام في وضع حرج جعل منهم محبطين من كل سياسي يعمل في الثورة، ينظرون إليه بعين الريبة والشك.
إن كل ماسبق جعل من الرأي العام لا يثق بحلفائه قبل أعدائه، فكيف يُطلب منه الموافقة على الذهاب إلى مؤتمر – بغض النظر عن عيوبه و مشروعيته التي يقال فيها الكثير من الكلام – وهو لا يثق بحلفائه الداعين له، وكيف له أن يثق بوضع شروط الثورة في أيدي الائتلاف الذي يعد بنظر كثيرين فاقد للشرعية ؟!!
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


