ساهمت الابتكارات المتميزة على مر التاريخ البشري في أوقات الأزمات والشدائد والأخطار المحدقة في إضعاف جبهات الأعداء ، وأدت هذه الابتكارات في كثير من الأحايين إلى تحويل مجرى التاريخ لصالح الشعوب المستضعفة الثائرة .
ففي غزوة الأحزاب أقبل المشركون في جمع حاشد لا طاقة للمسلمين بمواجهته .. قريش ومن تبعهم من كنانة وتهامة وغطفان في عشرة آلاف مقاتل ، وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم ببصيرته النافذة أن الالتحام المباشر مع هذا الجيش العرمرم المتفوق عليهم تفوقا ساحقا ليس هو طريق النصر ، فما عساه يفعل إذن .. لقد استشار أصحابه فكان من بركة من الاستشارة ابتكار سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر خندق في المنطقة المكشوفة من المناطق المحيطة بالمدينة المنورة ، وكان لهذا الابتكار السلماني أكبر الأثر في إحداث صدمة هائلة لجموع الأحزاب .. الأمر الذي انتهى بهزيمتهم في نهاية المطاف .. ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون .
ابتكار القعقاع :
لقي المسلمون في يوم أرماث من فيلة الفرس عنتا شديدا ، وحملت الفيلة عليهم ففرقت بين الكتائب ونفرت الخيل ،
وكانت الفرس قد قصدت بجيلة بسبعة عشر فيلا ، فنفرت خيل بجيلة ، وكادت بجيلة تهلك لنفار خيلها عنها وعمن معها ، فتفتق ذهن القعقاع عن هذا الابتكار الرائع ؛ كما ذكر ابن الأثير في التاريخ : وحمل بنو عم للقعقاع عشرة عشرة على إبل قد ألبسوها وهي مجللة مبرقعة ، وأطاف بهم خيولهم تحميهم، وأمرهم القعقاع أن يحملوها على خيل الفرس يتشبهون بالفيلة ، ففعلوا بهم هذا اليوم، وهو يوم أغواث ، كما فعلت فارس يوم أرماث ، فجعلت خيل الفرس تفر منها وركبتها خيول المسلمين فلما رأى الناس ذلك استنوا بهم، فلقي الفرس من الإبل يوم أغواث أعظم مما لقي المسلمون من الفيلة يوم أرماث .
فيل من طين :
وذكر القرطبي في تفسيره : وقد بلغني أن عسكر المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من الفيلة ، فعمد رجل منهم فصنع فيلا من طين ، وأنَّسَ به فرسه حتى ألفه ، فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل ، فحمل على الفيل الذي كان يقدمها فقيل له : إنه قاتلك فقال : لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين !!.
ولكسب القلوب ابتكار :
التأليف بين قلوب المؤمنين من أوجب الواجبات ، ولقد امتن الله على نبيه بتأليف قلوب أصحابه ، بعد أن كانوا في جاهليتهم أعداء متنافرين متنابذين .. هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ
وأدرك النابهون أهمية تمازج القلوب وتقاربها فكان إبداع الشيخ محمد سعيد العرفي عالم دير الزور حيث ابتكر طريقة لكسب القلوب فقال للإمام البنا : يا أخي سم ، قال له : وما أسمي يا سيد محمد ؟ فقال : سم إخوانك وأصحابك ومنشآتك ، قل لهذا : إنك تشبه أبا بكر ، ولهذا : إنك تشبه عمر ، فإن هذا يبعث فيه الحمية ، ويدفعهم إلى القدوة الحسنة ، والأسوة الصالحة .
والانتصار الحقيقي على مسارب النفوس ، ومشارب القلوب ، هو الأكبر والأعظم في ميزان الله ، ولا جدوى من نصر يعقبه صراع في الصف ، واختلاف في القلوب .
ابتكارات الثورة السورية :
تتميز الثورة السورية عن غيرها من ثورات الربيع العربي بابتكاراتها البديعة ، التي جعلت من رموز النظام وشبيحته مادة للسخرية صبت في مشروع الثورة على طريق النصر المرتقب بعون الله ، ولعل من أكبر عوامل النصر بعد الإيمان ابتكارات الثوار للأهازيج الشعبية والأناشيد الثورية ، التي تثير الحمية والحماسة في نفوس المتظاهرين ، وتبث
الرعب في قلوب أعدائهم ، وكأنها شواظ من نار تُرسَل عليهم فلا ينتصرون ، أو كأنها سهام نافذة تصيبهم في مقتل .. روى أحمد في مسنده عن كعب بن مالك رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن الله عز وجل قد أنزل في الشعر ما أنزل فقال ان المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكان ما ترمونهم به نضح النبل . والحديث قال عنه الأرنؤوط : صحيح على شرط الشيخين ، وقال ابن مفلح والألباني : صحيح .
ولحمص ابن الوليد تميز في ابتكاراتها :
لقد برز دور الفكاهة السورية جليا في يوميات الثورة ، وشارك أبناء كل صقع من الوطن في الابتكارات بطريقتهم الخاصة يرسمون الصورة التافهة للنظام وأزلامه وشبيحته حتى جعلوهم مادة دسمة للسخرية تتناقلها الألسن ، وتفعل فعلها المهول في إضعاف نفوسهم وكسر إرادتهم .
واشتهرت مدينة حمص بخفة دم أبنائها وملاحتهم وعذوبة نكاتهم ، وإتقانهم فن الدعابة ن ولقد ساهمت ابتكاراتهم الفكاهية في تعبئة الشعب ، ودفع حركة الثورة دفعات قوية حتى أضحت من أهم الأسلحة والأدوات في إرباك قطعان النظام ، حقا لقد أبدع أحفاد ابن الوليد في هذا المجال أيما إبداع ، فكانوا فرسان الميدان الفكاهة بلا منازع ؛ رغم المحنة والألم والظروف الحالكة ، وضخوا في روح الثوار دماء جديدة تسري في شرايينهم .
وهكذا نرى أن الثورة السورية هي الأغنى ابتكارا ، والأكثر إثراء في ميادين مجابهة الأنظمة الباغية الطاغية وتحديها لنزع الملك منها ، سواء في مجال الفكاهة ، أو الأناشيد الثورية ، أو الأغاني الحماسية ، أو غير ذلك من الابتكارات الكثيرة المتنوعة ، مما يدل على عظمة هذا الشعب الذي أثرى الثورة بهذا الكم الهائل من الإبداعات في وقت قصير ، وستتخلق ابتكارات كثيرة على طريق النصر بعون الله .
تنويه:
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين