تمهيد ومدخل:
من القضايا المهمة جداً في واقعنا اليوم أن لا ينقطع الحديث عن القدس والأقصى أبداً، ومن واجبنا أن نبيِّـن للأجيال مكانة القدس؛ عقيدة وإيماناً، وأن نتحدث عن الحقوق التاريخية والسياسية، فضلاً عن الحقوق الدينية، في وقت تواجه القدس محاولات شرسة للتهويد والتغيير للمعالم التاريخية والدينية، والتزوير للحقائق.
ومن هذه الجوانب التي يجب أن نتحدث عنها وتعيها أجيالنا: قضية أن فلسطين وقف إسلامي كلها، ومن ثم أن نتعرف إلى قضية الوقف بشكل عام، ونتعرف إلى أثر ذلك في بناء الإنسان والحضارات.
ما هو الوقف؟
الوقف في الأصل: التحبيس والتسبيل.
أو: الحبس عن التصرف.
وهي شرعاً: حبس العين على حكم ملك الواقف، والتصدق بالمنفعة على جهة الخير.
أو: حبس مالٍ يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه على مصرفٍ مباحٍ يُـصرَفُ ريعه على جهة بــرٍّ وخير؛ تقرباً إلى الله.
فالوقف إذن بالجملة: حبس لمال أو عقار على منفعة عامة ابتغاء وجه الله لا يباع ولا يشترى ولا يهدى ولا يورث.
لماذا فلسطين وقف إسلامي كلها؟
كما أشرت يأتي الحديث عن الوقف في سياق الحديث عن قضية القدس والمسجد الأقصى وأرض فلسطين ككل؛ على ضوء القرارات الباطلة الصادرة عن أمريكا، أو الكيان الصهيوني.
ذلك أنَّ فلسطين فتحها المسلمون عنوةً في معظمها، والأرض التي تفتح عَنـوة تنتقل إلى سيادة الدولة الفاتحة [والمقصود الأرض التي هي أملاك عامة، وليس الملكيات الخاصة].
والفتح من وسائل اكتساب الاختصاصات الدولية، مع كون الفتح مصطلح إسلامي خاص به؛ إذ جاء لإنقاذ العباد والبلاد، وتحرير الإنسان، فلم يكن في يوم احتلالاً، ومن ثم أقر أهل البلاد السابقين المسلمين الفاتحين معهم في الأرض ورحبوا بهم، وفتحوا لهم قلوبهم، لما أنهم كانوا إنقاذاً لهم حقيقة، وهذا يتحقق في أرض فلسطين؛ ذلك أنه في الشرع الإسلامي يزول ملك المحارِبين، وتنتقل ملكية العِقارات إلى الفاتحين؛ وبهذا المعنى نقول: فلسطين كلها وقف.
كما أنها وقف؛ لأن الله تعالى يقول: ? قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ? [الأعراف: 128]
? وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ? [الأنبياء: 105]، وقد أورث الله هذه الأرض المسلمين، فلا يجوز التصرف فيها إلا وفق مراد الله، ومن مراد الله أنَّـه لا يجوز للمسلمين أن يتنازلوا عن أرضهم (أي أرض) لعدوٍ مهما كلَّـف الأمر، بل ولا يحق لهم ذلك.
عناية المسلمين ببيت المقدس:
ثم إذا نظرنا نظرة أخرى في عناية المسلمين عبر التاريخ بفلسطين وبيت المقدس على وجه الخصوص لاحظنا شيئاً عجباً إذ امتلأت الأرض المقدسة هذه بالأوقاف الخاصة والعامة والمعالم الأثرية الدينية:
فقد اشتملت مدينة القدس وحدها قبل الاحتلال على:
أ- 56 مدرسة.
ب- 40 زاوية، ومقبرة، ورباط.
ت- 15 مسجد.
ث- 10 مآذن.
ج- 22 سبيل وحمام.
ح- اشتمل الحرم الشريف على 35 معلماً من مصليات وقبابٍ ورواقٍ ومساطب، وغيرها.
خ- وكان في القدس 34 طريقاً.
د- واشتملت على 9 أسواق.
ذ- واشتملت على 7 أبواب.
ر- فضلاً عن السور الحجري بطول 4.200 كم.
وغيرها من المعالم الدينية، وكلها له حكم الأوقاف؛ إما بالمعنى الفقهي الدقيق، أو بالمعنى العام أي أنَّـه لا يجوز التصرف بها، ولا بيعها، ولا التنازل عنها.
ولقد وعى المسلمون ذلك عبر التاريخ فكانت لهم العناية التامة في إعمار المسجد الأقصى وجميع المعالم الأثرية والدينية والحفاظ عليها، وتزويدها بكل ما تحتاج إلى عصر الهاشميين اليوم، فاستمرت الرعاية الهاشمية على أوقاف القدس والمحاكم الشرعية وجميع المقدسات.
وجوب التمسك بالحق:
إننا نستذكر الحديثَ عن الأوقاف ووقف فلسطين في ضوء تصاعد الهجمة الشرسة على القدس، وقد صدرَ القرار الجائر الظالم الباطل من قِــبلِ الولايات المتحدة الأمريكية، ثم جاء الكيان الصهيوني ليصدر قانوناً يمنع دخول القدس في أي تفاوض إلا بموافقة الثلثين؛ لنقول: إنَّ المسلمين لن يتنازلوا أبداً عن شبرٍ من حقهم، وسيبقون مدافعين حماة عن المسجد الأقصى، ويتقدمهم في ذلك أهل القدس ذاتها، ومن حقهم علينا أن نقف معهم بكل قوة.
ونحن نؤمن أن الله وعدنا بفتح هذه البلاد وتحريرها إذ تغتصب من عدونا ? فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً ? [الإسراء: 7].
ونستذكر حديث ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» مسلم 1920، وأخرجه البخاري بنحوه، وللحديث طرق كثيرة وألفاظ متقاربة.
فالمؤمنون يؤمنون إيماناً مطلقاً قاطعاً بهذا البشارة النبوية.
الوقف لبناء الإنسان أولاً:
كما أنَّ قضية الوقف في حدِّ ذاتها قضية عظيمة، وإحياؤها أمرٌ عظيم، ولها أثرٌ كبير في نشر العلم والخير وبناء الإنسان، فقد تعددت الأوقاف في الإسلام حتى كان منها أوقافٌ لطلبة العلم، وللمكفوفين، وللحفاظ، ولعابري السبيل، وللمستشفيات، وللكتب الخاصة.
إنَّ إحياء الأوقاف والترغيب بها في عصرنا الحاضر ضرورة حيوية وحضارية، ولقد أسهم آباؤنا بإسهامات شاملة لمختلف شؤون الحياة المدنية والاجتماعية والعلمية والصحية بما لا يعرف له مثيل في التاريخ الإسلامي، مستحضرين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة : إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" وهذا الحديث رواه الإمام مسلم تحت عنوان باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته.
إحياء الوقف لأجل فلسطين:
ولذا من واجبنا -كما نتحدث أن فلسطين كلها وقف- أن نحيي الأوقاف التي من شأنها بناء الإنسان المؤمن، ودعم صمود أهلنا في فلسطين.
فمن الوقف إنشاء المدارس والمكتبات وطباعة الكتب وراعية وبناء البيوت المعرضة للخطر، ودعم الصمود بأشكاله.
تفاعُلُ المسلمين مع الوقف:
مما نقل في كتب التاريخ ما روى الرحالة الشهير ابن جبير: أنه شاهد في بغداد نحو ثلاثين مدرسة، كل واحدة منها في قصر وبناية كبيرة وأشهرها وأكبرها "المدرسة النظامية".
ولهذه المدارس أوقاف وعقارات للإنفاق عليها وعلى العلماء والدارسين فيها، وكان وقف "نظامية بغداد" خمسة عشر ألف دينار شهرياً، وتخرج منها أكابر العلماء.
ونظامية بغداد بُـنيت 459 م، وقد كانت هي وغيرها من المدارس العلمية الكثيرة سبباً في بناء جيلٍ قام على التزكية والإيمان والعلم على طريق تحرير فلسطين.
وذكر ابن خلدون أمثلة على ما كان في بغداد وقرطبة والكوفة والبصرة والقيروان وفاس من مراكز علمية، وتحدث عما شاهده في القاهرة من التطور العلمي وازدهار المدارس.
ويذكر التاريخ فضل صلاح الدين الأيوبي في إنشاء المدارس العلمية في جميع المدن التي كانت تحت سلطانه، في مصر ودمشق والموصل وبيت المقدس. وكل ذلك كان له أثر في تحرير فلسطين
مواقف عظيمة:
وكان الصحابة ? السباقين إلى قضية الوقف
عَنْ اِبْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ : { أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ , فَأَتَى اَلنَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا , فَقَالَ : يَا رَسُولَ اَللَّهِ ! إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْه ُ. قَالَ : " إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا , وَتَصَدَّقْتَ بِهَا " . قَالَ : فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ , [غَيْرَ] أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا, وَلَا يُورَثُ , وَلَا يُوهَبُ , فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي اَلْفُقَرَاءِ , وَفِي اَلْقُرْبَى , وَفِي اَلرِّقَابِ , وَفِي سَبِيلِ اَللَّهِ , وَابْنِ اَلسَّبِيلِ , وَالضَّيْفِ , لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ , وَيُطْعِمَ صَدِيقاً } غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالًا . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ , وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : { تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ , لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ , وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ }.
ومن ذلك مواقف جليلة لعثمان؛ فعن ثمامة بن حزن القشيري، قال: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان، فقال: أنشدكم بالله وبالإسلام، هل تعلمون أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رُومة؟ فقال: "من يشتري بئر رُومة فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ فاشتريتها من صلب مالي فجعلت دلوي فيها مع دلاء المسلمين، وأنتم اليوم تمنعوني من الشرب منها حتى أشرب من ماء البحر، قالوا: اللهم نعم، قال: فأنشدكم بالله والإسلام، هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فأنشدكم بالله والإسلام، هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:" من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة؟" فاشتريتها من صلب مالي فزدتها في المسجد، وأنتم تمنعوني أن أصلي فيه ركعتين، قالوا: اللهم نعم... " أخرجه أحمد والنسائي، وهو صحيح
ففي هذا الحديث بيان لما أوقفه عثمان رضي الله عنه – في سبيل الله؛ وقف للماء ووقف للمسجد وتجهيز لجيش الجهاد في سبيل الله تعالى.
إعداد الإنسان على طريق الإيمان والنصر:
وإذا كنا نتكلم عن الوقف فمن المهم الحديث عن بناء الإنسان، وهذا الأصل والأساس، وليس الأساس بناء الحجر؛ بل البشر.
نعم نحن أحوج ما نكون إلى بناء الإنسان المؤمن والشخصية الإنسانية الصحيّة الصحيحة
على طريق تحقيق توحيد الله وكمال الولاء وكمال الإخلاص، والتمسك بالكتاب والسنة، وحب الصحابة، ونصرة الحقّ والمستضعفين والكينونة مع الصادقين وخشية الله، وتحقيق قيم الصدق والأمانة والإنفاق والبذل والإحسان.
قيم العدل وحقوق الإنسان وكرامة الإنسان، قيم الحفاظ على الأمن والأوطان والممتلكات العامة والمسؤولية والوظيفة.
نستفيد ذلك من قوله تعالى: ? إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئَكَ أَن يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ ? [التوبة: 18]
? أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ ? [التوبة: 19].
إذ ليس المهم أن تبني الحجارة دون أن تقوم برسالتها.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


