يعد مصطلح العلمانية أشهر الأمثلة للمصطلحات التي عمل فيها سوء الترجمة والاشتقاق عمله الفاسد، فأصل معنى الكلمة في اللغات التي نقلت منها يدور بين العالمية واللادينية، ولا علاقة لها بالعلم _ كما يظن بعض الناس _ من قريب ولا من بعيد.
والكلمة تدل عندهم على الفصل بين الدين وأحكامه وبين شؤون الدولة والمجتمع، وعلى هذا فالدولة العلمانية لادين لها، وهي تعد الدين شأنا من الشؤون الخاصة، وتقف العلمانية النظرية (غير المتطرفة) من الأديان موقف الحياد، وتبيح لها ممارسة الشعائر الدينية دون تدخل بها، لكنها أيضا تبيح وجود الإلحاد وتشرعه وتحميه في المجتمع.
أما العلمانية المتطرفة فهي تعادي الدين من حيث المبدأ لأن فلسفتها تقوم على تبني الإلحاد وبطلان الأديان وتعدها خرافة يؤمن بها بعض الناس.
وبناء على ذلك فالدولة العلمانية (اللادينية) لا يتطرق دستورها من قريب أو بعيد إلى مرجعية للدين في شيء من التشريعات والقوانين، وهذا ما يسمونه أيضا بالمدنية (من استعمالهم المدني في مقابل الديني مما سنعرض له بمشيئة الله تعالى لاحقا).
والذين يقولون إنه لا يجوز النص على دين للدولة في الدستور، لأنها عبارة عن مؤسسات وأجهزة وهي لادين لها! يتسترون وراء هذا التعبير لئلا يصرحوا بأنهم ينادون بلادينية الدولة !
وعندما ينص على دين الدولة فمعنى هذا أن الدولة (من حيث هي نظام للحكم) تتبنى الدين وتشريعاته المختلفة.
وإذا ما جئنا إلى الواقع التاريخي نجد أن الدساتير السورية المختلفة حملت كل التناقضات الموجودة لدى النخب المؤثرة في المجتمع السوري، وأرادت كل جهة أن يحشر في الدستور ما يناسبها من مواد وألفاظ، ليحصل التوازن بينها بزعمهم !، ليكون الناتج بعد ذلك هو التناقض الدستوري أولا ثم الانفصال التام بين الدستور والواقع ثانيا.
في حين لا نجد هذا التناقض نظريا بالدرجة نفسها في الدستور المصري العريق الذي مازال ينص على أن دين الدولة هو الإسلام، وإن كان التناقض التنفيذي موجودا بوضوح على أرض الواقع من جهة الحكام المسيطرين فعليا.
إن معنى علمانية الدولة إلغاء المحاكم الشرعية الإسلامية والمحاكم الملية الطائفية لغير المسلمين، وهدم الأسرة بحجة حقوق المرأة والطفل، وتشريع الإلحاد وتقنينه في المجتمع وهذا هو الخطر الأكبر المحدق لهدم ما تبقى من دين الإسلام، والعياذ بالله. والله غالب على أمره.
بقلم: عبد القادر الخطيب الحسني
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


