يقول علماء اللغة: "التفكر التأمل، والاسم منه الفكر والفكرة ".
ولدى التدقيق يتضح لنا أن التفكر بمعنى التأمل هو ما كان يطلق عليه السلف من علمائنا مصطلح النظر، ويعرفونه بأنه الفكر في حال المنظور فيه، وهذا تعريف مطلق لأن المنظور فيه عام، فقد يكون مندرجا في علوم الدين وقد يكون في علوم الدنيا، وقد يكون في النفس، وقد يكون في الكون، وقد يكون في المجتمع... وقد يكون في الأحياء أو النبات أو الجماد...وهكذا..
لكن ما يشترط وجوده حتى يكون التفكر والنظر صحيحا مثمرا لما يراد منه من معرفة الحقائق واكتشاف المعلومات واستنتاجها، أو حل المشكلات والترجيح بين الأقوال المختلفة أن توجد الأدوات التي يتحقق بها النظر في كل مجال من مجالات العلوم والمعارف، إذ لا نظر من غير أدوات توصل إلى المراد منه. فأدوات نظر الطبيب في المريض لاكتشاف العلة غير أدوات نظر المهندس في المواد التي يريد استعمالها في صناعة آلة منتجة لسلعة معينة، أو في تربة الأرض التي يريد أن يبني عليها بناء يتكون من عدد من الطبقات، وهما غير نظر رجل الاقتصاد في حركة الأسواق وعلاقتها بالأوضاع السياسية والقانونية السائدة في فترة زمنية معينة ليضع من بعدها خطة للنمو الاقتصادي... وهكذا
وإذا كنا نتكلم في نطاق علوم الدين واحكام الشرع نجد علماء أصول الفقه يصفون النظر بأنه طريق إلى معرفة الأحكام الشرعية إذا تحققت شروطه، ومن هذه الشروط أن يكون الناظر عالما بالوسائل والأدوات التي يتمكن بها من النظر، وهي ما يدعى أيضا بشروط الاجتهاد، الذي هو لفظ اصطلاحي آخر يتقاطع مع الفكر والنظر في المعنى المراد منه.
وعلى الرغم من حصول الاختلاف في العبارة عن شروط الاجتهاد وتفاوتها في الشدة إلا أن العلماء أجمعوا على وجوب علم المجتهد بعلوم الوسائل وما سموه الآلات التي لا يتوصل إلى النظر الصحيح إلا بها، كعلوم العربية، وقواعد أصول الفقه، فضلا عن العلم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة والتابعين والأئمة المعتبرين في الخلاف والإجماع مع توافر الملكة العلمية ودقة البحث وعمق المحاكمة.
ومن هذه الشروط أيضا أن يكون نظر الناظر وتفكره في دليل يثمر المطلوب منه وهو الحكم الذي يراد استنباطه، لافي شبهة دليل، لأن الشبهة لا تثمر، والناظر فيها كالزارع في أرض لا تنبت، مهما أتعب نفسه وبذل جهده وقدح فكره.
ومن الشروط المهمة أيضا أن يستوفي الناظر شروط الدليل ويرتبه مع غيره مما يتعارض معه، فيجمع حيث يتوجه الجمع، ويرجح حيث ينبغي الترجيح، ويخصص ويقيد، ويقدم ما يجب تقديمه ويؤخر ما يجب تأخيره، ذلك لأن الحكم في أية مسألة إنما يستفاد من مجموع أدلتها، لا من دليل واحد.
ومن شروط الدليل حتى يكون معتبرا أن يكون - إذا كان حديثا شريفا - صحيحا غير ضعيف، ومتضح الدلالة غير مجمل لأنه إذا طرقه الإجمال - أي الاحتمالات المتساوية - بطل به الاستدلال، وأن يكون مستمرا غير منسوخ، راجحا على ما يعارضه غير مرجوح.
وهكذا يتضح لنا أن لفظة الفكر التي شاعت اليوم كان علماؤنا يسمون ما يقابلها بالنظر والاجتهاد، وكذلك المفكر الفاعل للفكر والقائم به كان اسمه عندهم الناظر والمجتهد. وهذا يقتضي أن الفكر هو درجة متقدمة من درجات العلم، فلا فكر من غير علم، وإلا كان ضربا من الهذر والخبط خبط عشواء، إن وافق الحق مرة فعلى وجه الصدفة لا على ميزان معتبر من العلم والتفكر فيه. وقد تقدم معنا في مقال سالف أن العلم يطلق على المعلومات المدركات، كما يطلق أيضا على الملكة الواعية الراسخة في نفس صاحبها، وإن الفكر بهذا المعنى الجليل هو نتيجة إعمال الملكة في المعلومات، أو هو السدة العليا في العلم عندما يجتمع المعنيان.
لكن من المفارقات البالغة التي يتميز بها هذا العصر إطلاق الفكر، وتسمية صاحبه بالمفكر، حيث لا تتحقق شروط النظر، ولا تتفق أدوات العلم !!!فأصبحت كلمة المفكر الإسلامي تطلق على من هب ودب ممن لا ينضبط قوله بمعيار من المعايير العلمية، وهذا أشبه بتلقيب الناس من لا يجدون له لقبا مناسبا من العامة بالأستاذ، فصار الجميع عندهم أساتذة! مع أن كلمة الأستاذ تدل على اتصاف صاحبها بالعلم العالي في مجاله الذي يتميز فيه مما يؤهله لتعليم غيره ورجوعهم إليه.
إن المفكرين الإسلاميين اليوم يتكلم واحدهم في أي موضوع يتصل بالدين ولو خالف الإجماع أو قفز فوق الثوابت والقطعيات من غير حسيب ولا رقيب.
فهو في هذه الحال أشبه بالشخص الذي يوهم الناس أنه تاجر كبير أو رجل أعمال فيعقد صفقات ضخمة ويوقع مقابلها على أوراق بنكية (شيكات) بمبالغ كبيرة هائلة لكن من غير رصيد!.
فإذا أردتم معرفة دينكم معرفة صحيحة أيها المسلمون فعليكم بالعلماء المفكرين وإياكم والمفكرين الإسلاميين من غير علم ولا رصيد.
بقلم: عبد القادر الخطيب الحسني
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


