أصل كلمة الثقافة في اللغة العربية مأخوذ مِن تثقيف الرُّمح، وهو: تحديده وتقويمه، ثم أُطلقت بالتَّوسُّع على الحِذْق والفِطْنة، فيقال: ثَقِفَ الرجلُ الشيءَ إذا حَذِقَه، فهو ثَقِفٌ، أي: حاذق، ومن الواضح المناسبة بين المعنيين، فالرجل الفَطِن الحاذق يشبه الرمح المثقَّف الذي يصيب الهدف ويخرقه.
ثم أطلقت الكلمة مؤخرا بعدة معان:
منها: الإلمام العام بالعلوم والمعارف والآداب والفنون الشائعة، أو ما يقال عنه معرفة شيء أو طرف عن كل شيء. وقد تطلق بهذا المعنى مطلقة، كالثقافة العامة، أو مقيدة كالثقافة الإسلامية أو الجغرافية أو القانونية. وهذا معنى علمي، أي يتعلق بكمية المعلومات، وتكون الثقافة عند المثقف المتصف بها أكبر وأعمق كلما اتسعت دائرة معارفه وتنوعت.
ومنها: إطلاقها على الخصائص الذاتية التي تتصفُ بها أمة من الأمم، وتحدد اتجاهات حركتها وتفاعلها مع الأمم الأخرى في العصور المختلفة، مما أطلَق عليه أيضا مصطلح الهُوِيّة، وهو يرتكز أساسا على العقائد والمفاهيم الثابتة في الدين الذي تدين به الأمة
ولا شك أن اللغة والتاريخ داخلان ضمن هذا المعنى وثيقا الصلة به، فاللغة هي الحامل لهذه الخصائص والمعبِّر عنها، والتاريخ هو السجلُّ الرَّحب الموثّق لها. وهذا المعنى عقدي سلوكي للفرد والأمة.
وعلى هذا يكون للثقافة بهذا المعنى ثلاثة أركان: الدين، واللغة، والتاريخ.
وبعضهم يضيف إلى ذلك العادات الموروثة المستقرة للأمة، والأصل فيها أن ترجع إلى الدين، أو ألّا تتعارض معه .
ومن خير ما كتب عن الثقافة الإسلامية بهذا المعنى "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا " للأستاذ الكبير الجليل محمود محمد شاكر رحمه الله ( 1418 هـ ).
لكن العجيب أن مصطلح الثقافة والمثقف صار يطلق مؤخرا ويوصف به - احتكارا للمصطلح - قبيل محدد من الناس، من الفنانين والكتاب والصحفيين والإعلاميين ونحوهم، على أن يكون الرابط الذي يجمع بينهم لاستحقاق هذه التسمية هو تبني الأفكار المتحررة عن إطار الثقافة الدينية الراسخة والمناداة بها !
وهذا معنى لقيط عجيب، لا يمت إلى معنى الثقافة بصلة، لا من حيث المعلومات واتساع المعارف، ولا من حيث السلوك والعقائد الراسخة، فبعض هؤلاء المثقفين يمكن وصفه من حيث المعرفة بأنه أجهل من عليها !
وكثير منهم يصدق عليه الوصف من حيث الانتماء بأنه فلتان، لا تربطه مع الأمة أية رابطة!. ومع ذلك فهو المثقف.
وكأن هؤلاء الذين يجمعهم هذا الفلتان المطلق لم يجدوا لقبا يتعلقون به في المجتمع فسطوا على هذا اللقب المهم وشوهوا معناه واحتكروا لفظه. وعلينا أن لا نساعدهم في هذا التشويه والاحتكار.
بقلم: عبد القادر الخطيب الحسني
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


