من الأهمية بمكان قبل استعمال أي لفظ أو الخوض في مناقشة أي موضوع مع أي أحد تحديد المراد والمقصود بالمصطلحات المختلفة التي ستتردد في النقاش أو سيدور حولها.
ومن أهم المصطلحات القديمة الحديثة الشائعة اليوم مصطلح النفاق والمنافق، وهو مصطلح إسلامي ظهر لما هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة وقامت دولة الإسلام وانقسم الناس في مجتمع المدينة ثلاثة أقسام: مؤمنون، وكافرون، ومنافقون.
والمراد بالمنافقين كما نصت على ذلك الآيات والأحاديث ودلت عليه اللغة الذين يظهرون للناس في العلن خلاف ما يبطنون في السر، خداعا منهم للمؤمنين ومكرا بهم، كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)} وقد قسم العلماء النفاق إلى قسمين:
1- نفاق عقدي يظهر المنافق فيه الإيمان ويبطن الكفر، وتدل على ذلك بعض القرائن والدلائل، وهؤلاء هم الذين قال تعالى فيهم: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا}.
2- نفاق سلوكي، يظهر المنافق فيه من الأقوال والأفعال ما يضمر خلافه، كالكذب، وإخلاف الوعد، وخيانة الأمانة، والفجور في الخصومة. وهي وإن لم يحكم على صاحبها بالكفر لكنها علامات ترشح من تظهر منه كلما كثرت واكتملت صنوفها لأن يكون من منافقي العقيدة والعياذ بالله.
ويعد مصطلح النفاق من أكثر المصطلحات شيوعا في الحياة الاجتماعية، وقد اشتهر إطلاقه خصوصا على من يمالئ الحكام ويظهر لهم الولاء والانقياد ويكيل لهم فنون المديح والإطراء. فيقول الناس عنه إنه منافق !
مع أننا إذا دققنا في هذا الاستعمال نجد أنه لا ينبغي أن نطلق عليهم هذا المصطلح، لأن معنى ذلك أننا نحكم عليهم بأنهم يظهرون ما لا يبطنون، وأنهم لما كانوا يظهرون الولاء المطلق للحاكم ويسبغون الشرعية على تصرفاته، ويحضون الناس على قبولها بالظاهر - كبعض الشيوخ والتجار والفنانين ورجال المجتمع والإعلام الذين انتعلهم النظام الفاجر البائد في بلاد الشام إلى غير رجعة - فإنهم في الحقيقة والسر يعادونه ولا يوالونه. والواقع أن قرائن الأحوال تكذب ذلك وتدل لعكسه.
فهؤلاء إذن أعداء ظاهرون واضحون، معلنون بولائهم للطاغوت، مفاخرون به، مفضوحون لا يستترون ولا يستخفون.
وإنما الحقيق بمصطلح المنافق من كان يظهر الجهر بالحق والمخالفة للحكام والمعارضة لطغيانهم، ليطمئن له الناس ويتسلل بذلك في صفوف الأحرار يتجسس عليهم ويكشف خباياهم ويكيد لهم، ليكون ذراعا للباطل لينكل بأهل الحق على حين غرة.
نعم هؤلاء هم المنافقون الجديرون بهذا الاسم حقيقة، وليس المعلنون عن أنفسهم الذين هم أعداء لا لبس فيهم، كما قال تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}.
وهم موجودون، بكثرة وإن دالت دولتهم وذهبت شوكتهم، يجثمون هنا وهناك لينقضوا من جديد... فإن تلبس أحدهم بعد سقوط النظام البائد بما دعي بظاهرة التكويع فهذا هو المنافق حقا وصدقا.
فإياكم والمنافقين... احذروهم واعرفوهم بعلاماتهم التي حددها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يلدغ المؤمن جحر مرتين.
بقلم: عبد القادر الخطيب الحسني
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


