في أحلك ساعات الخوف والجوع، وبينما كانت المعاول تضرب صخر الخندق، والقلوب قد بلغت الحناجر من ضيق الحصار، لم يمنع الكربُ رسولَ الله ﷺ من أن يُبشّر أصحابَه بفتح قصور الشام ونيل كنوز كسرى. في تلك اللحظة، كان المنافقون يسخرون من "بشائر النصر والفتوحات" وسط واقعٍ مرير، لكن المنهج النبوي كان يُرسّخ حقيقة كبرى، أن استشراف الفرج من قلب المحنة هو أول خطوات النصر.
وهكذا نحن اليوم في سورية، نخرج من ركام ستين عاماً من الظلم والفساد، لنقف أمام واقعٍ أثخنته الجراح، لا يخفى حاله على قاصٍ أو دانٍ، مما يجعل "فقه البشارة" ضرورة وطنيّة لترميم الإنسان قبل البنيان، مصداقاً لقول الشاعر:
لا تيأسنَّ وإن طالَ الظلامُ بنا
... فالفجرُ يولدُ من أحشـاءِ آلامِ
وكما يصف أطباء علم النفس للمرهقين نفسياً ضرورة البحث عن مواطن الفرح وتداول أخبار المسرّة، فإنّ نبينا الأعظم ﷺ قد سبق العلوم كلها حين أرشدنا إلى منهج "بشروا ولا تنفروا ويسّروا ولا تعسّروا". إنّ العلم يثبت اليوم أن سماع البشارة يحفّز الدماغ لإفراز هرمونات السعادة، مما يجدد الأمل ويقوّي النفس لمقاومة القلق.
فالبشارة ليست ترفاً فكريّاً، بل هي دواء معنوي يحيي القلب ويمنحه الطاقة الكافية ليتحوّل من عجز التشاؤم المشلّ إلى حيويّة التفاؤل المنشّط، وكأن لسان حالنا يقول:
بشِّرْ أخاكَ إذا لاقيتَ مُكتئباً
... فالبِشرُ يُحيي فؤاداً ماتَ من كَمَدِ
إنّ سورية اليوم تشهد نجاحات تولد من رحم المعاناة، يقودها رجالٌ نذروا أنفسهم لخدمة الناس ميدانياً، فما أروع أن نرى وزير الصحّة، الذي غادر رفاهيّة المكاتب ليتفقّد المستشفيات، ومثله وزراء الخارجية والداخلية والاقتصاد وغيرهم. إنّ إعطاء هؤلاء المخلصين ولا نزكي على الله أحداً حقّهم من التشجيع هو المحرّك الذي يحفّزهم لبذل أقصى ما عندهم، فالثناء الصادق على المجتهد هو وقود الاستمرار في طريقٍ محفوف بالتحدّيات.
ازرعْ جميلاً ولو في غيرِ موضعِهِ
... فلن يضيعَ جميلٌ أينما زُرِعا
وإذا كان القاضي في شرعنا يُثاب على اجتهاده حتى وإن أخطأ، فإن قيادتنا ومسؤولينا اليوم يجتهدون في ظروف استثنائية خلفها إرث ثقيل من الفساد. لعلّ من أهمّ ما نحتاجه اليوم هو النصيحة بالتي هي أحسن، والدعم المادّي والمعنوي، فالكلمة الطيبة للمسؤول المخلص هي سدٌّ منيع أمام محاولات التشهير التي لا تخدم إلا المتربصين بنا من الخلف، أولئك الذين يحاولون إخفاء الإيجابيات لزعزعة الثقة. إن تكاتفنا اليوم، مقيمين ومغتربين، هو الضمانة الوحيدة لبناء دولتنا الكريمة.
انظروا بعين البصيرة إلى بركات السماء التي انهمرت علينا كالمزاريب، كأنّها بشارة رحمة يستبشر بها المؤمن، أليست دليلاً على رضا الخالق سبحانه - والله أعلم - بعد طول قحط؟ فإذا كان الله قد فتح لنا أبواب رحمته، فما بالنا لا يرضى بعضنا عن بعض ولا نصبر على وعورة الطريق؟
إنّ مهمتنا الكبرى اليوم هي أن نثق بوعود الله لنا، وأن ندرك أن تفاؤلنا وإبراز نجاحاتنا هو "سلاح فتّاك" يغيظ أعداءنا ويحطّم رهاناتهم، فالسعيد هو من جعل من معاناته جسراً للعبور.
لقد كان المصطفى ﷺ يمرّ بالرجل المريض فيقول له "لا بأس، طهور إن شاء الله"، ليحوّل بكلمة واحدة مرارة الألم إلى حلاوة أمل. واليوم، نقول لسورية وأهلها وقيادتها: لا بأس، طهور إن شاء الله، فما أصابنا كان تمحيصاً، وما ينتظرنا من خير يحتاج لجمع الكلمة وبثّ البشرى والعمل بصبر الفرسان. لنكن جميعاً مفاتيح للخير مغاليق للشر، فلنبدأ بالكلمة الطيبة، فهي أضعف الإيمان وأقوى ممّا نظن..
بقلم: فراس السقال
15.04.2026
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


