حوار حول استئناف النشاط الدعوي:
بعد مضي الشهر الأول من إطلاق سراحي، هدأ زخم الزيارات والتهنئات، وجاء لزيارتي اثنان من كرام الإخوان أولهما أبو أسامة عبد الله الطنطاوي، والثاني أبو عمار صبري غنام. وقد كان أولهما هو المتحدث، وكأنّ الثاني رضي لنفسه أن يكون مرافقاً فحسب.
قال الأخ أبو أسامة:... الآن وقد خرجتَ من السجن، والحمد لله، هل أنت على استعداد لاستئناف عملك؟!.... قلت: جاهز إن شاء الله. قال: لقد شغر عندنا مكان "رئيس جهاز التربية"، وأنت المرشح لملء هذا الشاغر.
وعلمت أن المقصود بجهاز التربية هذا، هو مجموع طلاب المدارس الإعدادية والثانوية، في مدينة حلب، ممن ينتمون إلى الإخوان أو يحضرون أسراً مفتوحة، وكذلك المنتدبون من طلاب الجامعة والخريجين (من الإخوان) ليكونوا موجهين لأسر المرحلتين الإعدادية والثانوية. وعلمت بأن رئيس جهاز التربية يكون عادة عضواً في إدارة المركز.
وإدارة المركز هي التي تدير أمور الإخوان على مستوى المحافظة، فهناك إدارة مركز دمشق، وإدارة مركز حماة، وهكذا...
وأعضاء الإدارة يصِلون إلى هذا الموقع بالانتخاب، ولكن المكان الشاغر الذي أشار إليه أبو أسامة حدث في إدارة لم يبق من مدة ولايتها إلا سنة ونيّف، فاكتفت الإدارة بأن تنتخب هي البديل عن العضو الذي ترك موقعه لأمر ما! وغالباً، ما يكون هذا الانتخاب قد بدأ بإشارة من جهة أعلى (المراقب العام أو المكتب التنفيذي) أو حظي بموافقة هذه الجهة.
استئناف العمل الدعوي:
كان الجهاز يتكوّن من قسمين: القسم الإعدادي ويرأسه الأخ أبو اليمان: أحمد حلمي خوجة (استشهد فيما بعد، في سجن لاحق، رحمه الله)، وفيه عدد من الموجهين، من مستويات متباينة، منهم الناجح في عمله جداً، ومنهم من هو دون ذلك. ومنهم من أعرفُه من قبل أيام السجن معرفة جيدة، ومنهم من هو جديد عليّ، ومنهم من هو بين ذلك، بمعنى أنني أعرفه معرفة سطحية.
والقسم الثانوي، ويرأسه الأخ أبو همام، عبد الرؤوف محمد (استُشهد كذلك فيما بعد، أو انقطعت أخباره بعدما سُجن، رحمه الله).
وفي القسم الثانوي عشرون موجهاً موزعون على أربع مجموعات، يضم كل منها خمسة موجهين. وقد تبين لي أن الناشطين من هؤلاء الموجهين محدودون. فإن بين العشرين من هو منقطع عن الحضور منذ فترة طويلة لأسباب مختلفة.
ومن المفارقات أن الأخ أبا همام، حين جلس يشرح لي حال كل واحد من الموجهين العشرين، ذكر لي اسم أحدهم، وهو مصطفى قصار (استشهد كذلك فيما بعد، رحمه الله) فقال لي: هذا الأخ بارد المزاج، قليل التفاعل، سلبي، لا يفيدك شيئاً، إنْ دعوتَه حضر من غير أن يشارك في شيء، وإن لم تَدْعُه بقي غائباً ولا يكترث. وأنصحك ألا تَدْعُوَه.
وحيث إني لم أكن آنذاك أعرف الأخ مصطفى قصار فقد أخذت بنصيحة أبي همام، ولم أدْعُ مصطفى. ولكن شاء الله أن أتعرف إلى مصطفى بعد حوالي ثلاث سنوات، فوجدت المفارقة عجيبة!. ولكن إذا عُرف السبب زال العجب!
صحيح إن مصطفى قليل الكلام، لكنه على مستوى عال من الدين والخلق والذوق والأدب والذكاء، بل هو، فوق ذلك، كتلة من المواهب والقدرات. فهو رياضي رشيق، وميكانيكي وكهربائي وإلكتروني مبدع، بل هو كذلك حلاّق ونجّار وبنّاء وممدّد مياه (مواسرجي)...وهو كذلك صاحب نكتة ذكية...
وهو بهذه الصفات يُحْسن التعامل مع قطع السلاح ببراعة، يفك ويركّب ويُصْلح ويعدِّل أي قطعة تقع في يده، وإن لم يكن قد رآها من قبل. وهو صاحب براعة في بناء المخابئ التي تحتاجها "القواعد" أي البيوت التي يتمركز بها المجاهدون...
فكيف إذاً تكوّنت الصورة السلبية عن مصطفى في ذهن أبي همام؟!
الأمر يعود إلى نشوء العمل العسكري وجماعة مروان. وهو باختصار، كما يأتي:
كان شباب الإخوان على درجات متباينة من الحماسة للانخراط في عمل عسكري، أو في رفض ذلك والنفور منه. وكان المتحمسون يطرحون آراءهم ويُبدون حماستهم أمام موجهي أسرهم بين الحين والآخر، وكثيراً ما ينتهي الأمر إلى فصل الأخ المتحمس من التنظيم، أو انفصاله مختاراً.
وكان مصطفى من المتحمسين، لكنه رأى أن انفصاله، أو تعريض نفسه للفصل، سيجعله، كالمتحمسين الآخرين، مكشوفاً أمام أولي الأمر، وحين سيتعرض الإخوان للاعتقال والتحقيق سيقولون: كان فلانٌ في صفنا، وكان يطالب بوجود عمل عسكري، وكنا نرفض توجُّهه هذا ففصلناه... وهذا يعني أن الأخ المفصول سينكشف أمره في المآل أمام المخابرات. لذلك آثر مصطفى أن يمثل دور الإنسان السلبي البليد حتى يخرج من التنظيم من غير ضجيج ولا شبهة. وهكذا كان!.
العمل مع الإخوان أو مع جماعة مروان:
بعد خروجي من السجن بنحو شهر أصبحت رئيساً لجهاز التربية في حلب وعضواً في إدارة المركز، كما ذكرت ذلك من قبل.
وبعد نحو أسبوع آخر زارني الأخ حسني عابو. وقبل أن أذكر ما دار بيننا من حديث، أذكر أنه كان يزورني بين الحين والآخر، مع الزائرين، في سجن حلب المركزي، خلال الثمانية عشر شهراً التي قضيتها في ذلك السجن. وفي إحدى الزيارات عرض عليّ الانضمام إلى جماعة مروان حديد، فاعتذرت، وأرجأتُ البتّ في الأمر إلى ما بعد خروجي من السجن (وسأعود إلى هذه النقطة لاحقاً، بإذن الله).
قال لي حسني: كنتَ قد أرجأت قبولك الانضمام إلى جماعة مروان إلى حين خروجك من السجن، وقد تحقق لك ذلك فماذا ترى؟!
قلت له: لقد أسند الإخوان إليّ مهمة جليلة، أُسهم بها في بناء الجيل الإخواني، وهذا يتّفق مع ميولي وإمكاناتي، فأنا أحب ميدان التربية ولست أرغب بترك هذه المهمة، كما أنني لا أحب الازدواج، بأن أكون معكم ومعهم، ولكن عندما ستكون المصلحة أن أكون معكم، فسوف أترك العمل مع الجماعة وأنضمّ إليكم.
وفي هذه المرة كذلك، كان حسني على ثقة بأن امتناعي عن الانضمام إليهم لم يكن جُبناً، لذلك استمرّ في اتصاله بي وإخباري ببعض ما يفعلون أو يعزمون أن يفعلوا... إلى أن حدث ما اقتضى فعلاً أن أترك الإخوان، كما سأذكر لاحقاً بإذن الله.
في إدارة مركز حلب:
كانت الإدارة تعقد لقاء أو اثنين كل أسبوع، تتدارس فيه الأمور المدرجة على جدول الأعمال، من مسائل أمنية وتربوية وتنظيمية وماليّة... وكان الأخ المراقب العام أبو عامر عدنان سعد الدين يعيش في الإمارات العربية المتحدة، ويدخل إلى سورية ويزور الإدارة، والإدارات الأخرى، مرة كل شهرين أو ثلاثة، ويحدثنا عن العمل العام وعن مكتب الإرشاد، وعن تطور عمل الإخوان السوريين في كل مكان، في السعودية وفي أوروبا وغيرهما. ومنه سمعت للمرة الأولى كلاماً صريحاً – وإن لم يكن عنيفاً- ضد فكر الشهيد سيد قطب – رحمه الله- وذلك أنه عَرَض علينا مشروع المنهاج التربوي الذي صدر عن مكتب الإرشاد، وكان في هذا المنهج فصل أو اثنان من كتاب "معالم في الطريق" وأبدى الأستاذ أبو عامر اعتراضه على إدخال شيء من فكر "سيد" في المنهاج، وقال: "يضعون هذا في المنهاج وهم يعلمون ما أحدثه فكر "سيد" من شرخ في صف الجماعة".
كان عندي إحساس بأن فكر سيد ليس محل ترحيب لدى الصف القيادي في الجماعة، ولكن كلمة أبي عامر هذه كانت دليلاً ملموساً.
وفي إحدى زياراته ذكر لنا واحداً من الإخوان، لم أكن أعرفه، وربما لا يعرفه أي واحد منا، نحن أعضاء إدارة مركز حلب، ووصفَ ذلك الأخ بصفات سيئة، من مثل: كذاب، مخادع، صاحب فتن... وتوّج صفاته تلك بأنه يشك في انتمائه إلى بعض الفرق الباطنية.
ولم يكن يسعُنا إلا أن نصدّق هذا الكلام، فهو يصدر عن رأس الجماعة، وتجاه من لا نعرف عنه شيئاً. ولكن الأستاذ أبا عامر، في زيارة تالية له، أي بعد نحو شهرين أو ثلاثة، عاد وذكر الأخَ نفسَه، ولكنه وصفه بصفات عالية: فهو رجل قوي الشخصية، يمكن الاعتماد عليه في المهمات الصعبة، وصاحب أفق واسع...
وحين كان أبو عامر يعدّد هذه الصفات رحت أشكُّ في ذاكرتي: أهذا هو الرجل نفسه الذي حدثنا عنه في المرة الماضية، أم أنه رجل آخر، وقد اشتبه عليّ الاسم؟!
ويبدو أن هذا الشك قد دار في ذهن غيري كذلك، من أعضاء الإدارة، وكان منهم الأخ أبو أيمن محمد عارف باروت، فقال: يا أستاذ، أهذا هو نفسه الذي حدثتنا عنه في زيارتك السابقة؟! قال: نعم، ولكنه الآن قد تبيّن له أن موقفنا هو الصحيح، وأن الحق معنا، وليس مع جماعة "عصام" (في إشارة إلى الخلاف بين ما سمّي آنذاك بجماعة حلب وجماعة دمشق أو جماعة عصام العطار) وقد انضمّ إلينا!.
شعرت وكأن برميلاً من الماء البارد قد صُبّ على رأسي!. أهكذا ينتقل تقويم الرجل من فاسد مفسد، إلى صالح مصلح، بمجرد انتقاله من صفِّ جماعة عصام إلى صف جماعة حلب!!. أهكذا تفعل الروح الحزبية في النفوس؟!.
هذه اللقطات التي ذكرتها عن الأستاذ أبي عامر، من الصورة التي ارتسمت في ذهني عنه يوم كنت عضواً في إدارة مركز حلب، هي لقطات سلبية. وعلى الرغم من أن هذه الأوراق ليست مخصصة لترجمة هذا الرجل أو غيره، فإن الإنصاف يقتضي أن أذكر بإيجاز بعض صفاته الإيجابية.
الأستاذ أبو عامر رجل مسلم غيور على إسلامه، غيور على دعوة الإخوان المسلمين، ذكي، واسع الثقافة والاطلاع، قوي الحجة، نشيط دؤوب، قادر على توليد الأفكار وتقديم الحلول والاقتراحات لشتى الموضوعات التي تطرح في الجماعة، قادر على التحكم بمشاعره وضبط انفعالاته، قادر على التواصل مع الآخرين من إخوان وأصدقاء... بل أعداء كذلك، ومع ذلك هو واحد من البشر لا يخلو من سلبيات البشر.
وأعلم أن كل فكرة ذكرت، في الإيجابيات أو السلبيات، تقبل التعليق والرد والتقييد... وهذا شأن البشر.
بقلم: محمد عادل فارس
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


