فقرات وفصول من مذكرات الأستاذ محمد عادل فارس: المراجعات

فقرات وفصول من مذكرات الأستاذ محمد عادل فارس: المراجعات

التصنيف: من عبر التاريخ
الجمعة، ٢ شعبان ١٤٤٦ هـ - ٣١ كانون الثاني ٢٠٢٥
129

المراجعات:
ذكرت أن رئيس الفرع طلب مني أن أراجع الفرع مرة كل أسبوعين، وكنت في قلق مما تحمله هذه المراجعات، فهل هي نوع من أنواع التحقيق؟ أم شكل من أشكال العمالة؟ وهل ستحمل معاني التهديد أو المساومة؟...
بعد أربعة عشر يوماً ذهبتُ للمراجعة. كنت راكباً في السيارة الحكومية المخصصة لي، بصفتي مهندساً في مؤسسة المشاريع الكبرى. ولَفَتَ سائق السيارة انتباهي إلى أن خطّاً أحمر عريضاً مرسوماً على كامل عرض الطريق، قبل الوصول إلى فرع المخابرات ببضعة أمتار، ما يعني أنه لا يجوز الاقتراب.
وقفت السيارة قبل الخط الأحمر، وترجّلتُ، وسرت نحو "مَحْرس" عند باب الفرع، يجلس فيه حارس وأمامه جهاز هاتف. قلت له: جئت لمراجعةٍ طلبها مني رئيس الفرع عندما أُطلق سراحي. قال: نعم، قضيّتك مع الحاج أحمد عاصي. واتصلَ به، وأوعز إليّ أن أدخل.
كنت أعرف "الحاج أحمد عاصي"، وهو ضابط صف في المخابرات، برتبة مساعد، وفي الأشهر الخمسة التي قضيتها في سجن فرع مخابرات حلب، كان هذا الرجل يقوم بدور محقق في بعض القضايا البسيطة (غير السياسية)، وبما أن الغرفة التي قضينا فيها بضعة أشهر، كانت مقابل غرفة التحقيق تماماً، فقد كنا نطّلع على مجريات التحقيق في عدد من القضايا... وكنا نلحظ أن هذا الرجل (الحاج أحمد!) ذو صفات خاصة، فكان يحلو له التعذيب بالكهرباء، وهذا من أعنف أنواع التعذيب، وفي الوقت نفسه يُظهر نوعاً من الثقافة الإسلامية، وشكلاً من أشكال التدين. فكثيراً ما يلجأ المعتقل، وهو تحت التعذيب، إلى الحَلِف والقَسَم بأغلظ الأيمان ليؤكد صدقه وبراءته... فإذا فعل ذلك قال له الحاج أحمد عاصي: وهل أنت مسلم؟ فيقول: نعم. فيقول إذاً اذكر لي: ما أركان الإسلام؟ أو أكمل لي الحديث النبوي: "بني الإسلام على خمس"...
ويبدو أن شخصية "العاصي" تجمع بين تدينٍ وعاطفة إسلامية صادقة، وخليط من علم وجهل، وتعلُّقِِ بمصالح عارضة، أو توفيق متعسّف بين انتماء لدين الحق والعدل، وبين انخراط في سلك الظلم والطغيان.
المهم أنني دخلت على المساعد العاصي وسلّمتُ، فأومأ إليّ بالجلوس ثم قال لي: "الحمد لله على سلامتك. لا أظن أن أحداً من الإخوان اتصل بك" قلت: "فعلاً". قال: المطلوب منك أن تخبرنا إذا اتصل بك واحد منهم!!
وشعرت أنه يلقّنني الجواب. ثم خرجت.
وقلت في نفسي: ماذا لو جعلت الفاصل بين هذه المراجعة والتي تليها 15 يوماً بدلاً من 14؟! وجرّبت فلم يحدث شيء، ثم جعلته 16 يوماً، ثم 17 وربما وصل أحيانا إلى 20 يوماً.
في أكثر المرّات عندما أصل إلى المحرس وأطلب مقابلة الحاج أحمد، يتصل به الحارس، فيكون الجواب: قل له: سجّلنا له المراجعة. لا حاجة للدخول هذه المرة. وأنصرف!.
وفي المرّات التي يستدعيني فيها إلى الدخول كان حديثه معي لطيفاً بل متعاطفاً، بل متعاوناً.
ففي إحدى المرّات سألني عن بعض أحكام فقهية تتعلق بالصلاة، فذكر أنه في اليوم السابق كان يصلي العشاء في المسجد، وحدث خلل في الصلاة واختلف المصلون في حكم صلاتهم...
ومرة ذكر لي أن رجلاً إسلامياً، يُظن أنه من الإخوان، مطلوب إلى الفرع!. وسألني إن كنتُ أعرفه؟! قلت: لا. قال: لا يهمّ. ولكن إن استطعت أن توصل إليه أنه مطلوب، وأنه إذا جاء وقابلني فإنني أقدر على أن أسوّي الأمر. أما إذا لم يأت، وذهبت دورية واعتقلته فقد تتفاقم المسألة!.
ومرة اعتُقل أحد إخواننا. وحين جئت للمراجعة، واستدعاني للدخول قال لي: إن فلاناً من إخوانكم عندنا، وقد اعترف بكذا وكذا، وضبطنا معه كذا وكذا، فخذوا علماً بذلك.


*****


واستمرت المراجعات على هذا النحو حتى حلّ موعد الاعتقال الجديد، فكان "الحاج أحمد" على رأس الدورية التي جاءت لاعتقالي.


*****


في إحدى المراجعات، كنت واقفاً عند المحرس، وبدأ الحارس يتصل هاتفياً بالحاج أحمد، لكنّ شيئاً شدّ انتباهه! إنها سيارة سوداء فخمة، من النوع الأمريكي، تقدمت بسرعة ومرت أمام المحرس وتجاوزَتْه ثم وقفتْ. وهذا يعني أنها تجاوزت الخطّ الأحمر بلا استئذان. انتصب الحارس على قدميه بدهشة، ومدّ رأسه نحو السيارة ليتعرّف ما الخبر، لكن سرعان ما عاد إلى جلسته، وإلى اتصاله الهاتفي، فقد عرف أن الأمر طبيعي! لقد كان في السيارة رجلان، أحدهما السائق، بزيّ مشايخ "الكلتاوية" وهو مسجد معروف في حلب، وشيوخه يلبسون ثوباً أنيقاً وفوقه معطف خفيف، ويضعون على رؤوسهم طربوشاً أحمر وفوقه عمامة صفراء (زبتّاية) تُلفّ على الطربوش حلقتين تتقاطعان كإشارة (x) في الوسط، فوق معقد الحاجبين. أما الرجل الآخر، فهو الرجل المهم: إنه الشيخ محمد الشامي، وقد كان معروفاً لدى عناصر حرس المخابرات، لذلك لم يعترضه أحد. لكني لاحظت أن مكان وقوف السيارة كان قبالة باب غرفة رئيس الفرع، أقصد الباب السرّي. فالجالس داخل الغرفة لا يلحظ وجود باب فيها يؤدي إلى الخارج. لقد صُمّم الباب من ضمن "ديكور" الغرفة على شكل أصابع خشبية عريضة، تغطي كامل واجهة الغرفة!. ومن هذا الباب السري يدخل الشيخ الشامي!.
وبالمناسبة فإن الشيخ الشامي هذا كان له دور في الحوار بين المشايخ وبين السلطة عندما اندلعت المعركة وتفاقمت الأمور، ويبدو أنه مثّل دوراً سيئاً في هذا المضمار حتى إن أحد المشايخ المحاورين وهو الشيخ أبو النصر البيانوني أفتى بقتله، بل طلب من المجاهدين أن يخلّصوا الساحة منه، وهذا الذي حصل بالفعل فقد قام بعض المجاهدين بتنفيذ عملية القتل اعتماداً على تلك الفتوى.


بقلم: محمد عادل فارس

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

معارك حاسمة في رمضان 2 - معارك في رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩معارك حاسمة في رمضان 2 - معارك في رمضان
أشرنا في التجديد السابق قبيل شهر رمضان ما حفل به هذا الشهر الكريم من بطولات ومعارك حاسمة ،...
قل كل يعمل على شاكلته - (جيش محمد صلى الله عليه وسلم في سمرقند)
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩قل كل يعمل على شاكلته - (جيش محمد صلى الله عليه وسلم في سمرقند)
الحمد لله ثم الحمد لله و نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، و نشهد أن سيدنا ونبينا ...
أسرى بدر ومدرسة التربية - كنتم خير أمة أخرجت للناس
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩أسرى بدر ومدرسة التربية - كنتم خير أمة أخرجت للناس
الأسرى ومدرسة التربية        روى الإمام أحمد عن أنس(1)، واب...