مِن أعظم الفتن التي مزّقت الأمة في الأزمنة المتأخرة تقسيم بعضهم المسلمين إلى: (موحدين) و (مشركين)، وتنزيل ما ورد في النصوص الشرعية بشأن مشركي الجاهلية على بعض أهل (لا إله إلا الله) من المسلمين المصلين؛ من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، المعظمين لشريعته، ممن وقع في بعض المخالفات؛ بجهل أو تأويل !
وساد عند بعضهم أن طائفته التي تنعت أتباعها ب (الموحدين) هم وحدهم المسلمون، بينما السواد الأعظم من المسلمين ليسوا سوى (عباد قبور) و (مشركين) ! وأضحى التوحيد محصورًا في فئة محدودة، في رقعة صغيرة من الأرض، وقلة متناثرة من الأتباع المتنازعين بل والمتناحرين ! ومَن عداهم من المسلمين فهو عندهم إمّا مِن عباد القبور، أو هو كافر لأنه يتورع عن تكفير أهل (لا إله إلا الله) !
ولا شك أن ما أُحدث مِن بدع القبور والغلو في الصالحين؛ كطلب قضاء الحاجات من الأموات والاستغاثة بهم هو أمر منكر، ولم يكن في زمن سلف الأمة، وإن احتج له بعض أهل العلم المتأخرين بحجج ضعيفة !
لكن التوسع في التكفير بذلك المنكر وعدم إعذار الجاهل والمتأوّل، بل وتكفير من لم يُكفّر هؤلاء، وربما وصل الأمر عند غلاة الغلاة إلى تكفير مَن يعذر الجاهل بجهله! كل ذلك جلب على الأمة شرورًا عظيمة؛ أُزهقت فيها أرواح لا تُحصى، واستُحلت فيها أموال معصومة، وانتُهكت فيها حرمات، ووقعت بسببه فتن عظيمة ! ولا زالت الأمة ترزح تحت وطأة تلك الفتنة العمياء.
وممن حمل فكرة تكفير المسلمين هذه اللحى التي تخرج علينا كل حين بباقعة جديدة؛ فقد شمتوا بمحنة أهل غزة، وساءهم فتح الشام، وغمّهم قبل ذلك انتصار الأفغان !
وممن حمل فكرة تكفير المسلمين كذلك جماعات القتل والتفجير المعاصرة؛ كالقاعدة وداعش وما يتفرع عنهما! هذه الجماعات التي فتحت على الأمة أبواب شر مستطير، وروّعت الآمنين، وتعاظم شرها وبغيها على المسلمين قبل غيرهم، وزاد بسبب تلك الجماعات تسلّط أعداء الأمة، وتضييقهم على الدعوة وتعليم القرآن وعلوم الدين، وتجفيف منابع الخير! وكل تلك الفتن وغيرها منبعها الغلو والتعصب للآراء وإعجاب كل ذي رأي برأيه!
وبعد أن كان السلف يتورعون عن التكفير، ويتحرزون منه غاية التحرز لِما جاءت به النصوص الشرعية من الوعيد الشديد لمن كفّر مسلمًا، صار بعض المسلمين يتورع عن تسمية المسلم باسم الإسلام، وصار يتورع عن أن يُثبت للمسلم إسلامَه الثابت بيقين، لشبهات وأوهام عند المكفِّر والمكفَّر، وصار الورع في المجازفة في التكفير والتوسع في إطلاقه، وبعضهم ربما يكفِّر غيره حتى لا ينطبق عليه ناقض (من لم يكفر الكافر فهو كافر)، فهو يرى أن توحيده لا يخلص له إلا بتكفير من يتوهم كفره من المسلمين، لأنه إن لم يكفِّر كُفِّر هو، وهذا من الفتن، والتباس الحقائق والله المستعان!
ولمّا كان التحاق شباب الأمة بجماعات الغلو والتكفير مِن أعظم الفتن، وأشد المخاطر كان مِن الواجب إبعاد الشباب عن الكتب والرسائل التي تمهد لهم طريق الغلو، لأن في ذلك قطع للجسر المعرفي الذي يصلهم بتلك الجماعات، ويربطهم بها.
وفي كتب الاعتقاد المأثورة عن السلف، ومَن بعدهم من أئمة الدين المشهود لهم بالعلم والفضل والتقى، والمجمع على جلالتهم وفضلهم غنية عن رسائل المتأخرين التي هي محل نزاع وشقاق، ولا تخلو مِن أغلاط وإشكالات واضطراب، كما أن الرجوع إلى الكتب المعتمدة عند الأمة سبب من أسباب اجتماع الكلمة وتقارب القلوب ونبذ الشحناء بين المسلمين، فالعقيدة أقوى أسباب اجتماع المسلمين، لكنها بالغلو صارت سببًا للفُرقة والشتات.
فهل مِن مراجعة ومحاسبة للنفس وتأمّلٍ في حجج المخالفين، ومراجعة لحقائق التاريخ، وتواضع للحق!
وكيف يرضى مسلم لنفسه أن يكون شريكًا في سفك دماء المسلمين أو مقرًّا لسفكها بل مفاخرًا به!
أما آن لنار هذه الفتنة أن تنطفئ! أما آن للأمة أن تتجاوز عصر الجماعات والأحزاب والدعوات، لتعود أمة واحدة مستمسكة بالعلم المتين المتوارث عن الأئمة الربانيين، ومدارس الفقه المنضبط القويم، وتعود أمةً متراحمة متعاطفة كما أراد لها رسولها الكريم وناصحها الأمين!
اللهم اجمع المسلمين على الحق، والسنة والهدى، وألف بين قلوبهم، وأطفئ نار الفتن، برحمتك يا ذا الجلال والإكرام !
بقلم: عبد الله بن عمر البكري
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


