الصَّمتُ المريعُ تجاه المذابحِ التي تعانيها الأمّة في أنحائها المختلفةِ في سورية وفلسطين ومصر والعراق وبورما وأفريقيا الوسطى وغيرها، وغيابُ التَّفاعل مع هذه الشّعوب التي تذوقُ الموتَ ألونًا ليسَ أوّلها الذَّبح ولا آخرها الإحراقُ، هو مثارُ استغرابِ واستنكارِ العاملينَ المُتحرِّقين، ويزدادُ منسوبُه مع كلِّ حادثةٍ جديدةٍ تتفاعلُ معها الجماهيرُ في ظلِّ ارتكاسِ تفاعلِها مع الجرائمِ القائمة، ليتحوَّل هذا الاستغرابُ إلى ثورةِ غضبٍ على (بلادةِ) الجماهير و(انعدامِ الضمير) في المجتمعات، وغيابِ الأخوَّة الصادقة بينَ المسلمين!!
مع اعتقادي بأن استنكارَ أيَّة جريمة جديدةٍ ولو رافقَ ذلكَ صمتٌ تجاه غيرها ينبغي أن يُقابَلَ بالتَّرحيبِ إذ هو دلالةُ سلامةِ ما تبقَّى من الفطرةِ التي ـ لا محالَة ـ نالَها من التّشوّه ما نالَها في هذا الزمن الكفيلةِ أثقالُ نوائبِه بتشويه كلِّ شيء.
وخيرٌ من استنكارِ الصَّمت وخفوتِ التفاعلِ البحثُ في أسبابِه؛ فهذا يقطع الجزء الأكبرَ في طريقِ البحثِ عن الحلول الناجعة.
إنّ السبب الأبرز والرئيسِي في تكوُّن هذه الظاهرةِ هوَ إلفُ الموتِ واعتيادُ المجزرة والتّعايشُ مع الدَّم والتطبيعُ بين النَّفسِ والقتل؛ وهذا ناشئٌ من تكرارِ الحدثِ في البقعة الواحدة وبالطريقةِ ذاتها؛ مهما كانَ عِظَمُه وفداحتُه، ممَّا أدّى إلى ارتكاس الفطرة التي يُعوَّل عليها في إطلاق العنان للصّرخةِ كي تشقّ الفضاء معلنةً بيانَ الرَّفضِ لاعتيادِ الدَّم والتَّطبيعِ مع مشهدِ النَّصلِ المعانِقِ للنّحر، حتَّى إذا جاءت جريمةٌ جديدةٌ غيرُ مألوفةِ المكانِ أو الآليَّة تمَلمَلت الفطرة من رقادهَا وأطلقت صرخةَ انبعاثِها من غفوتِها، التي سرعان ما تعودُ إليها مع تكرارِ المشهدِ تكرارًا يوصلُ إلى الإلفِ والاعتياد، وقد أبدعَ أبو العلاء المعرّي في وصفِ هذا إذ قال:
إِذا أُلِفَ الشَيءُ اِستَهانَ بِهِ الفَتى *** فَلَم يَرَهُ بُؤسى يُعَدُّ وَلا نُعمى
ولا بدَّ أن نتذكَّر جيِّدًا بأنَّ القضايا التي نستغربُ غيابَ التفاعل المطلوب معها اليوم، والجرائمَ التي يلفُّها الصمت المريعُ والمريبُ كانت بالأمس مثارَ تفاعلٍ وصخبٍ في ظلِّ الصَّمتٍ عن غيرِها، وذلكَ مع المشاهدِ الاولى للمأساةِ، وقطرات الدّم السبّاقة في دربها الطويل؛ فعلى سبيلِ التّمثيلِ لا الحصر؛ في انتفاضةِ الأقصى تفاعلَت الجماهيرُ مع الدَّم المهراقِ في الشّهور الاولى ثمَّ سرعانَ ما ألِفَت المشهدَ وتطبَّعت مع النَّزيفِ الذي لم يتوقَّف، وكذلكَ كانَ التّفاعلُ مع جريمةِ اقتحام المسجد الأقصى المبارك وحفرِ الأنفاق تحتَه الذي يكادُ يتلاشى رويدًا رويدًا بسببِ تكرار المشهدِ واعتيادِ البّصر والنفسِ عليه، وفي الثَّورة السوريَّةِ كانَ التَّفاعلُ مع مشهدِ حمزة الخطيب ومع مجزرةِ الحولة أكبرُ بكثيرٍ من ردَّات الفعل الباردةِ تجاه مجازرِ اليوم والأطفالِ المنحورينَ بنَصلِ الجوعِ حينًا والطَّائفيَّة أحيانًا، وذلكَ لأنَّ للصدّمة الاولى وقعُها المختلف، وارتطامُها بأعماق الرُّوح ارتطامًا يُحدِثُ في النَّفسِ زلزلةً تفرضُ عليهَا الصّراخَ على الرُّغم من تكاثُر الأقفَال على بابِهَا الذي أوصَدَته على جراحٍ بعضها فوق بعض.
وهذا يُحمِّلُ أبناءَ المشروعِ وحَمَلَة القضيَّة والعاملينَ لها المسؤوليَّة الكبرى في وضعِ الخطط والآليَّاتِ والبرامجِ اللازمة لإبقاءِ جذوةِ القضيّة حيَّةً، وبَعثِها من رقادِها كلَّما حاولَ الإِلفُ دفنَها في جَدَثِ التَّطبيعِ مع الرُّوح، فذلكَ خيرٌ من سَبِّ الصّمت، وشَتمِ الخُذلان.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


