عَينُ قَتَادَةَ فِي كَفِّ المُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم

عَينُ قَتَادَةَ فِي كَفِّ المُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم

التصنيف: عبق من السيرة
الجمعة، ٢٧ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ - ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
86

التاريخ الإسلامي روضة غنّاء، لا تنقضي عجائب مواقفها ولا يذبل ألق بطولاتها؛ فهي ترسم بمداد الصدق والنقاء ملامح جيلٍ استقى من النبع المحمدي الطاهر فصاروا أعلاماً يهتدى بهديهم، وتتألق هذه الصفحات الزاهية بسير العظماء من الصحابة والتابعين، الذين ضربوا أروع الأمثال في الوفاء والتضحية، وورثوا المجد كابراً عن كابر، ليبقى إرثهم الخالد منارةً للأجيال، ودروساً بليغة في معنى العزة والكرامة الإنسانية الرفيعة.
في ساحات الوغى وفيض الإيمان، يطالعنا قتادة بن النعمان -رضي الله عنه- كنجم من نجوم البسالة التي لم تذبل، إذ وطئ بقدمه الثابتة كل مشهدٍ شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان كالسيف الصارم الذي لا يكبو، والدرع الحصينة التي لا تلين في معركة أحُد، وبينما كانت المنايا تخفق بأجنحتها، هوت سهام الغدر لتصيب عينه الكريمة، فبدت كالجمرة الساقطة من محجرها، فأتى بها كالمستجير بكفه يحمل جزءاً من روحه، مرتجفاً كطائرٍ مكسور الجناح حتى وقفت عيناه أمام النور المحمدي.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مَا هَذَا يَا قَتَادَةُ؟
قال: هذا ما ترى يا رسول الله!
هناك، وضع المصطفى صلى الله عليه وسلم كفه الشريفة أمام خيارَيْن يتلألآن كاللؤلؤ والمرجان فقال لقتادة: (إِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ وَلَكَ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتَ رَدَدْتُهَا وَدَعَوْتُ اللَّهَ لَكَ فَلَمْ تَفْتَقِدْ مِنْهَا شَيْئاً)
فكان جوابه صدقاً خالصاً كمرآةٍ صقيلة؛ يعرف قدر الجنة كأنما ينظر إلى ثمارها دانيةً قطوفها، لكنه يخشى من وطأة العزلة ووحشة الفراق بين أهله، فرنا بعين قلبه إلى الدنيا وإلى زوجه مترجياً نبياً رؤوفاً أن يعيد له بصره ليبقى سراجاً دافئاً في بيته، ويسأله جنة الخلد داراً مستقرة فقال: (وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إِنَّ الْجَنَّةَ لَجَزَاءٌ جَزِيلٌ، وَعَطَاءٌ جَلِيلٌ، وَلَكِنِّي رَجُلٌ مُبْتَلًى بِحُبِّ النِّسَاءِ، وَأَخَافُ أَنْ يَقُلْنَ: أَعْوَرُ، فَلَا يَرُدْنَنِي، وَلَكِنْ تَرُدَّهَا لِي، وَتَسْأَلَ اللَّهَ لِيَ الْجَنَّةَ)
فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم عينه الساقطة، كمن يعيد درّةً إلى صدفيتها أو كوكبًا إلى مداره، فمسحها بيده الزكية فعادت كأنها فصّ ياقوتٍ أحمر، بل كانت أحسن عينَيْه بريقاً وصفاءً، وكأنها شمسٌ لا تعرف الكرى طريقاً إليها، فصارت تضيء كالنجم الدريّ، لا ترمد أبداً إذا رمدت أختها، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة.
وظل هذا الفارس الطود الأبّي يحمل راية بني ظفر يوم الفتح كأنها راية فجرٍ منبلج، ترفرف في سماء العزّة والكبرياء، حتى قضى نحبه سنة ثلاث وعشرين للهجرة وهو ابن خمس وستين سنة، كأنه غصن بانٍ أينع ثماره ثم انحنى في سلام، فصلى عليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كأنه يودع جبلاً من جبال الصبر والوفاء.
ومضت الأيام حبلى بالذكر العطر، كأنها نسيم سحريّ يفوح بعبق الأجداد، حتى أقبل وفد التابعين يحمل بين رحاله رجلاً من ذرية ذلك الفارس المقدام، فوقف بباب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كالبدر المنير إذ يلوح في أفق الظلماء.
سأله الخليفة بفضول العارف ومتعة السامع: "مَنْ أَنْتَ؟"، فانتفض الشاب زهواً كطاووس الخُيلاء
وأجاب بعزة النسب وصفاء اليقين:

أَنَا ابْنُ الّذِي سَالَتْ عَلَى الْخَدّ عَيْنُهُ
فَرُدّتْ بِكَفّ الْمُصْطَفَى أَيّمَا رَدّ
فَعَادَتْ كَمَا كَانَتْ لِأَوّلِ أَمْرِهَا
فَيَا حُسْنَ مَا عَيْنٍ وَيَا حُسْنَ مَا خَدّ


تهلل وجه عمر بن عبد العزيز كأنما تنفس الصبح في مجلسه، وتأمل روعة المجد المتسلسل في العروق كجريان الماء الصافي في جدول الأنهار، فهتف من أعماق قلبه متمثلاً بحكمة الأجداد:

تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ
شِيبَا بِمَاءِ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالَا


حيث يؤكد الشاعر أن المجد والمكارم الحقيقية لا تُشترى بالمال الحرام، ولا تُصنع بالادعاء المغشوش الذي يبدو في ظاهره طاهراً كاللبن، وفي باطنه فساد وخداع كالماء المخلوط بما يفسده.
ثم أكرم عمر بن عبد العزيز وفادته وأجزل له العطاء كالسحابة الماطرة التي لا تبقي ولا تذر، فخرج الرجل محفوفاً بالبركة والهيبة، كأنه يرفل في برود الجلال والتقدير.


بقلم: د. محمد محمود كالو

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

صفحة من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة خوَّات بن جبير مع النبي صلى الله عليه وسلم 
الأربعاء، ١٥ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٢ أيلول ٢٠٢١صفحة من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة خوَّات بن جبير مع النبي صلى الله عليه وسلم 
روى الطبراني عن خوَّات بن جبير رضي الله عنه قال: نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مَر...
الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في  جوامع حلب - دروس السيرة النبوية
الأربعاء، ١٥ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٢ أيلول ٢٠٢١الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في جوامع حلب - دروس السيرة النبوية
الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في جوامع حلب لا زالت حفلات المولد النبوي، والاجتماع على در...
ولد الهدى فالكائنات ضياء - ميلاد أحمد
الأربعاء، ١٥ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٢ أيلول ٢٠٢١ولد الهدى فالكائنات ضياء - ميلاد أحمد
  من ذكريات شهر ربيع الأول بقلم الدكتور : منير الغضبان عضو رابطة العلماء السوريين &nb...